هذه معالم انتصار المقاومة الفلسطينية في غزة

0

أهمية جولة الصراع الجديدة وأسبابها

 بدأت المواجهة الجديدة بين الاحتلال والمقاومة الفلسطينية بعد أيام من اعتداءات نفذها الاحتلال في القدس في منطقتين تمثلان رمزين من رموز الصراع، وهما الأقصى الشريف وحي الشيخ جراح.
·      يمثل الأقصى الرمزية الدينية للصراع، وهو بقدر أهميته للفلسطينيين وللمزاعم الصهيونية في القدس يمثل أيضا أهمية ورمزية للمسلمين جميعا، ولذلك فقد كان الصراع على هذا الرمز مركزا لتفجر جولات كثيرة سابقة من المواجهات السياسية وفي الشارع والانتفاضات (1996 أحداث النفق، فشل كامب ديفيد الثانية 2000، انتفاضة الأقصى 2000، انتفاضة البوابات 2017 الخ).
·      يمثل الشيخ جراح رمزية في الصراع على الأرض والديمغرافيا في القدس، كما يعبر عن الصراع بين الصمود الفلسطيني في أرضه وبين عقيدة “الترانزفير” الصهيونية التي تسعى لنقل الفلسطينيين من القدس ومناطق 1948 قدر الإمكان لضمان التفوق الديمغرافي لصالح المستوطنين اليهود في هذه المناطق.

ما الذي يختلف في هذه الجولة؟

 أولا: سياسيا واستراتيجيا

·      هذه أول مرة في تاريخ “الحروب” بين المقاومة في غزة والاحتلال التي يكون سببها لا يتعلق بقطاع غزة، بل بالصراع الوطني مع الاحتلال في القدس الشريف. قامت الحروب الماضية لأسباب تتعلق بالصراع بين حماس كفصيل وطني يحكم غزة وبين الاحتلال، ولكن هذه المرة الأولى التي تقوم الحرب فيها بسبب رد المقاومة في غزة على اعتداءات الاحتلال خارج القطاع، أي في القدس. يكتسب هذا العامل رمزية كبيرة، لأنه يربط بين النضال الوطني الفلسطيني في غزة وبين الضفة الغربية والقدس، ويفشل استراتيجية الاحتلال في تقسيم الشعب الفلسطيني.
·      نتج عن “رمزية” تدخل غزة للرد على عدوان الاحتلال في القدس هبة وطنية عمت الأراضي المحتلة جميعها (قطاع غزة، الضفة الغربية، القدس، الداخل المحتل 1948 “ما يسمى إسرائيل”)، ولأول مرة في التاريخ الفلسطيني الحديث يتوحد الشعب في انتفاضة واحدة بوقت واحد في فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر، وخصوصا في إضراب يوم الثلاثاء (18 أيار/ مايو 2021).

ثانيا: عسكريا

·      يتضح من سير المعارك، وما يبث على الإعلام الفلسطيني وإعلام الاحتلال، أن القدرة الصاروخية لحركة حماس وغيرها من الفصائل الفلسطينية تطورت على مستوى دقة الإصابات والقوة التفجيرية. مقارنة بالحروب الماضية، أصابت صواريخ المقاومة أماكن أكثر اتساعا في فلسطين التاريخية، وأوقعت إصابات أكثر. يدل هذا على تطور القوة الصاروخية من جهة، وعلى فشل الحرب السابقة 2014 في تحقيق أهدافها بقتل قدرات المقاومة، إذ أنها زادت بدلا من أن تتراجع.

·      بدأت هذه الحرب بقوة كبيرة مقارنة في سياسة القوة التصاعدية في الحروب الماضية، ويبدو أن ذلك لسببين: الأول رغبة الاحتلال في تحقيق أهدافه سريعا، والثاني: قوة الرد المفاجئ للمقاومة، مما زاد في حدة الهجمات والهجمات المضادة بسرعة كبيرة.

·      ساهمت حالة الانتفاضة في مناطق 1948 بإرباك قوات الاحتلال، حيث توزعت جهود القوات وخططها بين العدوان على غزة وإعادة الهدوء لمدن الداخل والضفة. بالنسبة للاحتلال هدوء مدن الداخل لا يقل أهمية عن الهدوء على الحدود مع غزة.

·      فرضت المقاومة هذه المرة معادلات واضحة في الرد، مثلا: قصف تل أبيب مقابل قصف الأبراج السكنية، قصف المدن بالصواريخ المتوسطة مقابل هدم المنازل السكنية، وقصف مدن غلاف غزة مقابل قصف المناطق القريبة من الحدود داخل غزة.

وقف إطلاق النار

·      بحسب مصادر، فقد وافقت كل من حركة حماس وحكومة الاحتلال على تهدئة، وأخبر الطرفان الجانب المصري بالموافقة. لم تتضح بعد التفاصيل وموعد وقف إطلاق النار. يبدو أن الاحتلال يحاول استغلال الوقت المتبقي لتحقيق “صيد ثمين” قبل بدء وقف إطلاق النار، فيما تستمر المقاومة بالرد بالمثل ما يعقد أزمة الاحتلال داخليا.

·      يبدو أن الولايات المتحدة أرادت خلال الأيام الماضية إعطاء نتنياهو فرصة ليحقق “صيدا ثمينا” يرضي به جمهوره ليظهر منتصرا قبل وقف إطلاق النار، وبعد الفشل في ذلك خلال الأيام الماضية تغيرت اللهجة الأمريكية نحو الطلب الحازم بوقف سريع للنار. تغير اللهجة الأمريكية إضافة للفشل الإسرائيلي في تحقيق أهدافه العسكرية، دفعها للموافقة على التهدئة.

نتائج الحرب المتوقعة سياسيا وعسكريا

·      أهم منجز حققته المقاومة في هذه الحرب هي أنها ربطت بين القدس وغزة عندما تحركت للرد على جرائم الاحتلال في الأقصى وحي الشيخ جراح، وهو ما أدى إلى انتفاضة شاملة متزامنة عمت كل مدن ومناطق فلسطين التاريخية لأول مرة منذ عام 1936.

·      من المستبعد أن يوافق الاحتلال على شروط تتعلق بالهدوء في القدس كجزء من اتفاق التهدئة، ولكن هذه الشروط قد تفرض بشكل فعلي وعملياتي حتى بدون اتفاق. بعد هذه الحرب ستفكر حكومة تل أبيب ألف مرة قبل اتخاذ إجراءات وتنفيذ اعتداءات في القدس قد “تستدعي” ردا من المقاومة، لأنها معنية بعدم قيام حرب جديدة في المدى المنظور.

·      أدت هذه الجولة من الصراع إلى عودة الحيوية للقضية الفلسطينية، وعادت فلسطين إلى أجندة الإعلام والسياسة العالمية، مما قد يؤدي إلى تحريك مسارات سياسية. قد يتحول هذا المنجز إلى خسارة إذا لم يحسن الفلسطينيون التعامل معه، وهنا يجب الضغط على قيادة السلطة لعدم التفرد بمسار عبثي جديد لا يستند للإنجازات التي حققتها المقاومة.

·      كرست الحرب حركة حماس ومشروع المقاومة ككل باعتباره المشروع الأكثر شعبية وقبولا للشعب الفلسطيني ومؤيديه في العالم. لم نعد نحتاج لاستطلاعات رأي أو تصويت لندرك أن الشعب الفلسطيني لا يريد استمرار مشروع أوسلو العبثي. يمكن أن يمثل هذا الواقع فرصة لصياغة مشروع وطني مبني على تجاوز السلطة والتنازل عنها وتبني مشروع مقاومة شعبية في الضفة الغربية والقدس وعلى حدود غزة. يحتاج مثل هذا المشروع لحركة فتح، ولكن فتح يجب أن تعترف بفشل مشروعها السياسي وأن تعود لمربع المقاومة وتجاوز سلطة أوسلو. ستخسر فتح ويخسر المشروع الوطني إذا لم تتحرك وفق الواقع الذي أفرزته الحرب من نتائج غير مسبوقة. حركة حماس تحتاج هي الأخرى خطابا أكثر وضوحا لناحية تطمين بعض فئات الشعب الفلسطيني التي تخشى من خلفيات الحركة الأيديولوجية.

·      من المتوقع أن تؤدي المعركة إلى إدخال حركة حماس في دائرة الفعل السياسي على الساحة الدولية. ستزيد الاتصالات من جهات مختلفة مع الحركة بدون شك، بعد أن أدرك الجميع أنها تمتلك تأثيرا كبيرا في المشروع الوطني الفلسطيني. يمكن أن يشكل هذا الزخم “فرصة” ويمكن أن يتحول إلى “خطر”. إذا أحسنت حماس التعامل مع الزخم من خلال الضغط لإصلاح منظمة التحرير لإنهاء تفرد قيادة السلطة بالقرار الفلسطيني فستشكل الأحداث فرصة غير مسبوقة، أما إذا تم جرها إلى مربع “التأهيل” الذي تسعى له القوى الدولية منذ عام 2006 بمقابل حصولها على “شرعية” دولية، فسيمثل هذا خسارة لها ولنضالات المقاومة وللمشروع الوطني ككل.

·      يمكن أن تمثل نهاية المعركة العسكرية بداية لمقاومة شعبية مستدامة، في القدس والضفة الغربية ومدن الداخل المحتلة منذ عام 1948. يحتاج هذا الأمر ليتحقق إلى الاستفادة من زخم الانتفاضة الشاملة التي تشهدها الأراضي المحتلة منذ أيام لتشكيل قيادة سياسية للمقاومة الشعبية في الضفة، ومثلها في القدس، وتفعيل الهيئات الفلسطينية داخل مناطق 1948، بحيث تمارس كل جهة من هذه الجهات الثلاث ما يناسبها من نضال شعبي سلمي، سيؤدي بالضرورة إلى “تدفيع” الاحتلال ثمن جرائمه واستمرار احتلاله ونظام فصله العنصري.

·      يمكن أن يستفيد الأردن من الأحداث من خلال إعادة اشتباكه مع الصراع العربي الإسرائيلي، لتثبيت محاربة فكرة “الوطن البديل” وتفعيل الدور في المقدسات الإسلامية في القدس. يحتاج الأردن للتراجع عن حساسيته في العلاقة مع “حماس” لتحقيق انغماس أكبر في الصراع، بما يحقق مصلحة الأردن والمشروع الفلسطيني معا.

·      سيمثل اتفاق وقف إطلاق النار عند الوصول له فرصة لإعادة مسار المفاوضات غير المباشرة بين حركة حماس والاحتلال حول ملف تبادل الأسرى. يمكن لدول مثل تركيا أو قطر أن تلعب دورا إيجابيا يعطيها رصيدا استراتيجيا، بدلا من منح الفرصة لوسطاء أوروبيين للاستفراد بلعب هذا الدور.

·      مثلت الأحداث نقطة تحول كبرى في الرأي العام العالمي تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

صارت الرواية الفلسطينية أكثر قبولا وانتشارا من قبل. يحتاج الفلسطينيون للبناء على ذلك لتطوير التفاعل مع الرأي العالمي، وتثبيت السردية الفلسطينية حول أبجديات الصراع، وإعادته لنقطته الأولى كصراع بين شعب محتل وقوة احتلال غاشمة.

·      أسقطت الحرب كل مزاعم دول التطبيع العربية حول تراجع اهتمام الشعوب بالقضية الفلسطينية. لم تسقط المعركة دعاوى التطبيع وشيطنة الفلسطينيين فقط، بل أكدت من جديد أن الوعي الشعبي تجاه القضية الفلسطينية لم يتغير رغم بؤس الأوضاع في معظم الدول العربية، ورغم ما صرف من ملايين على “كي الوعي”. يؤكد هذا أن النضال الفلسطيني بكل أنواعه هو الوحيد الكفيل بضبط البوصلة، ومن هنا تكمن أهمية استمرار هذا النضال في الضفة والقدس والداخل بالصورة الشعبية الممكنة والأقل كلفة على الفلسطينيين.

·      أثبتت الحرب أن الأمة العربية والإسلامية وشعوب المنطقة من أكراد وأمازيغ وأحرار العالم أجمع هم رصيد للقضية الفلسطينية العادلة، وأنهم يلعبون دورا كبيرا في صناعة الرأي العالمي من جهة وفي دعم صمود الشعب الفلسطيني من خلال تضامنهم بكافة أشكاله، وهذا يستدعي أن تراعي المقاومة الحساسيات الوطنية لهذه الشعوب، وأن تصوغ علاقاتها مع حلفائها بتوازن دقيق دون أن تخسر الدعم الشعبي المهم لنضالها الطويل.

المصدر: وكالات

تعليقات فيسبوك
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.