مصير المعارضة المصرية في تركيا

0

قد يبدو السؤال عن مصير المعارضة المصرية في تركيا سابقاً لأوانه، بالنظر للتصريحات “العنترية” لوزير الخارجية المصري، وتظهر معها أن يد القاهرة هي العليا في هذه المصالحة، فضلاً عن حملة زعماء برامج “التوك شو” في القاهرة، الذين انطلقوا يعلنون الرفض التام أو الموت الزؤام، لأي تقارب من اتجاه الأتراك، ما لم يأت القوم إليهم محلقين ومقصرين.. فهل هم في حكم من يتمنعن وهن الراغبات؟!

لقد بدت التصريحات الودودة لمسؤولين أتراك تجاه مصر والتي توجت بتصريح – لأول مرة للرئيس أردوغان في هذا السياق – كما لو كانت لخطب الود، ولهذا فقد انطلق الذباب الإلكتروني التابع لنظام السيسي يتحدث بتعال ويقدم الجانب التركي على أنه جاء خاضعاً، وراكعاً، وجاثياً على ركبتيه، وهو يطلب التقارب. وهي محاولات دائمة من قبل القوم للبحث عن نصر زائف، وتقديم سيدهم على أنه الرجل القوي الأمين، على النحو الذي فعلوه في ما يسمى بتحذير الخط الأحمر الذي رسمه السيسي للأتراك في ليبيا، فاستجابوا له، مع أن الجنين في بطن أمه يعلم أن هذا الخط الذي أوقف تحرك القوات التركية لكسب مزيد من الأرض لصالح الحلفاء في حكومة الوفاق؛ هو نتاج تفاهمات تركية- روسية، لم تكن القاهرة طرفاً فيها، وإن جاء السيسي ليستغلها ويبين أنه صاحب رأي مسموع، وتحذير مخيف في هذا الملف!

فاتهم أنه مهما كان الأمر في ما عُرف بخط السيسي الأحمر، فإن القوات التركية – وليست المصرية – هناك، وكان من المفروض بالحسابات المصرية أن تكون ليبيا كلها خط أحمر، لو كان السيسي يملك بالفعل القدرة على أن يخيف، وأن يحذر فيخشى الجانب التركي تحذيراته، وينصاع لها. ولم يعد سراً أن ما حدث في ليبيا من توافق أخير، التزمت به القاهرة، هو بفضل الوجود التركي هناك، الذي وضع حداً لجنون المرتزقة الذين يقودهم خليفة حفتر، وتدفع بهم الإمارات وتدفع لهم، وتجلبهم من كل فج عميق!

من الخطأ اعتبار أن تصريحات القادة الأتراك إنما أطلقت من باب “طلب القرب”، ليكون من حق القاهرة أن تنظر لنفسها على أن من حقها أن تتمنع، وأن تضع أداء أنقرة تحت المراقبة، على النحو الذي ذكره سامح شكري وزير الخارجية “علاقتنا بتركيا مرهونة باتساق سياستها مع توجهاتها”، لأن هذا يتنافى مع ما هو معروف، من أنه في ظل فترة القطيعة لم ينقطع الحوار بين مخابرات كلا البلدين، فلم يكن الجانب التركي سيعدم وسيلة اتصال بنظيره المصري، للحديث عن رغبة في علاقات قوية، تتجاوز مشكلات الماضي.

وكما جاء في صحيفة “أقشام” التركية، أن المباحثات بدأت قبل عامين بناء على طلب مصر، وذكر وزير الخارجية التركي أن المباحثات الدبلوماسية بدأت بالفعل، وهي تصريحات لم ينفها الجانب المصري، على نحو يؤكد أن تصريحات القادة الأتراك إنما تأتي كاشفة عن عملية التقارب وليست منشئة لها.

دوافع عملية التقارب:

وقد تكون تصريحات أهل الحكم في أنقرة تستهدف التمهيد لما سيحدث في المرحلة القادمة، في اتجاه طي صفحة الماضي، وبدأ علاقات جادة مع القاهرة، تدرك حكومة حزب العدالة والتنمية أنها ضرورية ولازمة، ولم تنقطع ولو في عهد مبارك، الذي زار تركيا مرتين وربما ثلاث مرات، وقد التقى خلالها مع أردوغان، وإن كانت العلاقة الأقوى كانت بينه وبين أحد رفاقه وهو عبد الله غل. وفي ظل البرود في علاقته مع أردوغان وقعت القاهرة مع تركيا اتفاق تجارة في سنة 2005، ليكون سارياً للعمل في بداية آذار/ مارس 2007، وهي الاتفاقية التي انتهى العمل بها قبل عامين، ومن اللازم أن تمدد أو تجدد، وهذا جزء من الدوافع لعملية التقارب!

وإذا كانت العلاقة السياسية قد انقطعت بعد الانقلاب العسكري، ليس فقط لأن الرئيس أردوغان كان له موقف واضح وصريح ضد الانقلاب العسكري، ولكن لأن الإمارات التي تدير القاهرة منذ الانقلاب هي من قررت هذا. ومع ذلك فقد ظلت العلاقات الدبلوماسية مستمرة، من خلال وجود سفارة مصرية في أنقرة، وقنصلية في إسطنبول، بل إن هذا لم يمنع من موافقة أردوغان على مضض؛ على الطلب السعودي بتكوين جبهة من المحور السني يشمل مصر، قبل فشل هذه المحاولة، بعد تدخل محمد بن زايد، وإثارة الفتنة ضد قطر، ودفعه للجانب السعودي لقطع العلاقات والحصار والتفكير في الغزو، وكان من بين الأسباب التي أوقفت هذه الرعونة قرار البرلمان التركي بإرسال قوات إلى الدوحة!

بيد أن أردوغان لا يبدو هذه المرة يتعامل على مضض مع وجود حلف يضم عبد الفتاح السيسي، بل يبدو متحمساً لذلك، فقضية الشرعية انتهت بوفاة الرئيس محمد مرسي، والمعارضة في الخارج إذا أغلقت القنوات الثلاث في تركيا فلا تسمع لها ركزا، وليس من المنطق أن يرهن مصالح تركيا في انتظار استيقاظ القوم من نومهم الطويل، لا سيما وأنه ليس في نيته الإضرار بهم!

هذه واحدة، والثانية أن الظرف الدولي غير المعادلة الإقليمية التي كانت موجودة في عهد ترامب، فالرئيس الأمريكي الجديد يتحرش بالرياض والقاهرة، ولم يعد محمد بن زايد في قوته السابقة، ومن هنا كانت للسيسي خيارات مختلفة نسبياً عن “التوجه الإماراتي العام” لا سيما في ليبيا والسودان، وقد توقف عن ضخ المزيد من الأموال لحليفه في القاهرة، فلهذا فقد جانباً كبيراً من الوصاية عليه، وهو الوقت المناسب لبدء علاقات طبيعية أو شبه طبيعية مع مصر السيسي!

وأردوغان معني بأن يجد للقاهرة موضع قدم في المنطقة، وهو منافس قوي لإيران في هذا الصدد، وإذ اشتد عود الحوثيين، فقد وجدها فرصة أيضاً لخيار مهم هو أن يرسل قواته للأراضي السعودية، لصد العدوان الحوثي المدعوم ايرانياً على السعودية، وهو يدرك أن هزيمة الرياض ستعني تمددا لطهران يتعذر تدارك آثاره في الأمد المنظور، وسقوط السعودية أو إضعافها يعزز من قوة إيران في المنطقة، بما يعني انحساراً للدور التركي في الإقليم!

القاهرة في ظروفها هذه بحاجة لتركيا، كما أن القاهرة بحاجة للعلاقة معها مع وجود بايدن، ومع توقف ضخ الأموال من السعودية والإمارات، وهي المساعدات التي كانت تمثل ثمناً لاستمرار العداء. ولا ينكر أحد دور قناتي “مكملين” و”الشرق” في زعزعة أمان السيسي، رغم المواجهة بترسانة من القنوات التلفزيونية، وبالسيطرة على الاعلام وتأميمه لصالح الأجهزة الأمنية، وكل هذا فشل، فهل سيكون من شروط المصالحة وقف هذه القنوات الثلاث، إذا أضفنا لهم قناة “وطن”؟!

وإذا كانت القاهرة مقبلة على المصالحة، فلماذا ردة الفعل المتعالية، سواء في تصريحات وزير الخارجية المصري، أو في الإعلام الرافض لهذا المصالحة؟!

جانب من هذه الأداء لوزير الخارجية مرده إلى التمنع لتحسين شروط التفاوض، أيضاً لمخاطبة الداخل الذي لم يفق من المصالحة مع قطر بعد الهجوم المتواصل عليها، ليستيقظ على حديث المصالحة مع الأتراك بعد سنوات من شيطنتهم. في الأولى قالوا إن الدوحة وافقت على الشروط الثلاثة عشر، وفي الثانية يريدون القول إنهم يرفضون المصالحة، لكن هذا لا يمنع من أنهم يمهدون لها ولو بالرفض أو التمنع، وفي النهاية سيقولون إن الأتراك وافقوا أيضاً على الشروط، لا سيما والأمر يبدو حباً من طرف واحد، هو الطرف التركي، وإن كان في حكم من يتمنعن وهن الراغبات!

فهم الرسالة الإعلامية:

لا يمثل الأداء الإعلامي في مصر جزءا من أدوات الفهم، فبينما كان وزير الخارجية يستعد للسفر لحضور اتفاق المصالحة مع الدوحة في مدينة “العلا”، كان أحمد موسى يعلن أنه لا صلح، لكن “عمرو أديب” كان يغرد في الاتجاه الآخر، فيتحدث عن ترحيبه بعودة العلاقات فلديه علاقات بقطريين وبمسؤولين في قطر، ويسعده أن يراهم!

الوضع الآن مختلف، فعمرو أديب كان شرساً ضد المصالحة مع تركيا، ولم يكن أشرس منه سوى نشأت الديهي، ومن المهم الوقوف على التفاصيل لفهم الأمر.

بحسب معلوماتي أن تعليمات وصلت الصحف والمواقع الإلكترونية بوقف الهجوم على تركيا، وربما تهيئة الأجواء لقبول المصالحة، فهل هذه التعليمات لم تصل للقنوات التلفزيونية ومقدمي برامج “التوك شو”، أم أنه توزيع أدوار؟!

في المصالحة مع قطر، كانت السعودية هي الطرف الأصيل فيها، و”عمرو أديب” عند تمايز المواقف بين البلدين هو ابن المشروع السعودي، ليس فقط لأنه يعمل في قناة سعودية. والسعودية لم تتبن بعد المصالحة التركية- المصرية، وربما لم يتحمس القادة السعوديون بإرسال تعليمات لقناتهم في القاهرة بتغيير سياستها من الموقف من تركيا، وربما أن التيار الذي يدير القناة هو الأقرب للإمارات التي ليست في قوتها الآن، لكنها تكافح من خلال قنواتها التلفزيونية وقنوات دول الجوار لإفساد أي محاولة للتقارب، ومن هنا يأتي دور نشأت الديهي وقناة تن!

فالقناة، ونشأت نفسه، هما تعبير عن الإمارات وليس مصر، وإذا كان الإمارات مدعوة من الجانب التركي للدخول في الحلف الجديد، فإن مصالح نشأت نفسه ليست في هذا المصالحة، لا سيما وأن العمل في القناة على قدم وساق للتوسع فيها، لكي تقوم بدور الإعلام الإماراتي الموجه لتركيا. ويوجد بالإضافة لقناة تن موقعان إلكترونيان ضد تركيا بشكل واضح، ويشرف على المنابر الثلاثة ويتصرف فيها تصرف المالك في ما يملك نشأت الديهي ذاته. وهذه القناة كانت قبل عدة شهور معرضة للإغلاق، لكن الأمر اختلف الآن فالاتجاه هو التوسع لمواجهة العدو التركي!

لست على يقين من أن الأتراك يعرفون هذه التفاصيل، وعلى مائدة المفاوضات وعندما يكون الحديث عن الإعلام المصري في إسطنبول سيكون من المناسب الحديث عن الإعلام الإماراتي في القاهرة، مما يجعل المفاوضات صفرية، فليست تركيا فقط التي تنطلق منها قنوات تلفزيونية معادية للنظام المصري، فالقاهرة تنطلق منها منصات إعلامية معادية أيضاً للنظام التركي، والحديث عن إغلاق هذه سيلزمه الطلب بإغلاق تلك، فهل يستطيع عبد الفتاح السيسي؟!

مشكلة السيسي أنه لا يستطيع تجاوز الإمارات التي تستطيع أن ترهقه، وإذا كانت فقد ورقة مهمة بتسليم الفريق أحمد شفيق، فإن حضورها في المشهد المصري، سياسياً وإعلامياً، بل وأمنياً، لا يمكن تجاوزه، ليصدق في العلاقة بين السيسي وابن زايد قول القائل: احذر صديقك مرة، واحذر عدوك ألف مرة، فربما انقلب الصديق إلى عدو فأصبح أدرى بالمضرة!

تسليم المعارضين:

الشرط الذي يردده اعلام السيسي عن ضرورة تسليم تركيا المعارضين، هو كلام للاستهلاك المحلي، ومهم أن نعلم أن المعارضة المصرية في تركيا فاقدة للقدرة على الفعل، وكل الأداء في الخارج هو ما تقوم به القنوات الثلاث، وكأنها تقوم بفرض الكفاية مع تقوقع هذه المعارضة والانشغال بعملية الخلاص الشخصي، من خلال ترتيب الأوضاع للبقاء الطويل هناك، بعيداً عن جيل الشباب الذي لن يعود لمصر ولو سقط السيسي!

المصالحة التركية مع السيسي لن تفضي لتسليم المعارضين، أو حتى المطلوبين منهم للجهات المصرية، بل أعتقد (عن معلومات) أن بعض المطالب الخاصة بالمعارضة ستكون موضوعاً على مائدة المفاوضات، وقد لا ينتهي الأمر عند التوقف عن فكرة تسليم المعارضين، وإنما قد يطلب الجانب التركي إخراج قيادات بعينها من السجون، مع ضمان توفير ملجأ آمن لها في إسطنبول، لتبقى مشكلة القنوات الثلاث!

لا أستبعد إغلاق هذه القنوات، لكن ليس الآن، وإن كان هذا متوقفاً على مستوى العلاقات، وإذا أغلقت فلا يمثل هذا ضمانة لاستقرار نظام السيسي، فنظام مبارك وهو أكثر منه قوة سقط بدون قنوات تلفزيونية تبث من إسطنبول، لكن وقفها لا يعني أنها لن تجد بديلا لها في لندن أو إسبانيا، حيث الإجراءات غير المعقدة لإطلاق قنوات تلفزيونية تخاطب الخارج، على نحو كاشف بأن الملف كله بحاجة إلى حل جذري، والنظام السياسي لا يمكنه دفع فاتورة هذا الحل إلا من لحم الحي، فلا يمكنه القبول بعودة المعارضين وفق ضوابط معينة، وأن يكون البديل حالة سماح ديمقراطي، لأن أي اتجاه من هذا النحو سيمثل عصفاً به.

إغلاق قنوات تركيا سينتج إغلاق ترسانة القنوات التلفزيونية التي تبث من القاهرة بهدف التصدي لها، وتسريح مئات الإعلاميين وآلاف العاملين فيها الذين يهللون للخضوع التركي لمصر القوية القادرة، وكأنهم يساقون للموت وهم ينظرون، فالبديل هو قدرة السيسي على تطبيق مشروعه الإعلامي، بالعودة بالبلاد إلى زمن القناتين، الأولى والثانية، لتكون البداية لتصفية المؤسسات الإعلامية القائمة.

ما لم يكن للإمارات موقف آخر، فإن المصالحة قادمة لا ريب فيها، لكن ملف المعارضين والقنوات أكثر تعقيداً مما يروج لهم إعلام الردح وفرش الملاية!

المصدر: وكالات

تعليقات فيسبوك
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.