محاولات رسمية مصرية للتقليل من سلبيات كورونا الحقيقية بالاقتصاد

0

رغم كونه مؤسسة نقدية رصينة، فقد اتبع المصرف المركزي المصري نفس أسلوب الخطاب الحكومي الذي يركز على الإيجابيات ويتفادى السلبيات، ويربط بين تلك النجاحات المزعومة وبين برنامج الإصلاح الاقتصادي.

حيث تصدر بيان المصرف المركزي لإعلان نتائج ميزان المدفوعات المصري للعام المالي 2019/2020، والممتد من تموز/ يوليو 2019 وحتى حزيران/ يونيو 2020، والذي شهد النصف الثاني منه أحداث فيروس كورونا، تلك العبارات بالنص:

“استمرار لنجاح سياسات الإصلاح الاقتصادي التي انتهجتها الدولة المصرية، والخطوات الاستباقية التي اتخذها البنك المركزي المصري للحد من انعكاس الآثار السلبية لجائحة كورنا على الاقتصاد المصري، استطاع الاقتصاد المصري استيعاب أثر الصدمة المالية العالمية الناشئة عن الأزمة.

حيث شهدت المعاملات الجارية للاقتصاد المصري مع العالم الخارجي استقرارا، في مستوى العجز في الحساب الجارى خلال العام المالي 2019/2020 بارتفاع طفيف عن مستوى العجز بالعام المالي الأسبق، كما حافظ الحساب الرأسمالي والمالي لميزان المدفوعات المصري على تحقيق صافي تدفق للداخل بلغ 5.4 مليار دولار”.

وقامت وسائل الإعلام الحكومية والخاصة الموالية للنظام الحاكم بالتوسع في نشر ذلك البيان، الذي يشير مضمونه إلى أن أثر جائحة كورنا على الاقتصاد المصري تمثلت في زيادة العجز بالحساب الجارى (الذي يقيس الفرق بين التدفقات الدولارية من تصدير السلع والخدمات والتحويلات وبين مدفوعاتها للخارج) بنحو 273 مليون دولار فقط عن العام المالي السابق على ظهور كورونا، بينما استمر الحساب الرأسمالي والمالي (الذي يقيس الفرق بين تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وغير المباشر والقروض والودائع الأجنبية للداخل، وبين مدفوعات نفس تلك العناصر للخارج) في تحقيق فائض بلغ 5.375 مليار دولار.

29 مليار دولار عجز حقيقي

وهكذا يظن من اكتفى ببيان المصرف المركزي من خلال الوسائل الإعلامية، أن برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري قد جعل مصر بمنأى عن آثار كورونا على اقتصادها، وهو أمر فشلت فيه غالبية دول العالم التي تأثرت سلبيا وبشدة بآثار فيروس كورونا!

لكن الحقيقة غير ذلك تماما، فقد تأثرت قطاعات عديدة بالاقتصاد المصري سلبيا بشدة بتداعيات كورونا، والتي نجم عنها تراجع أرصدة الاحتياطيات من النقد الأجنبي بشكل ملحوظ، وظهور فجوة تمويلية ضخمة اضطرت مصر لزيادة معدلات الاقتراض الداخلي والخارجي، حتى بلغت قيمة الدين الخارجي بنهاية حزيران/ يونيو الماضي 123.5 مليار دولار وهو رقم غير مسبوق تاريخيا، بينما لم يتم الإعلان عن بيانات الدين العام الخارجي منذ نهاية العام الماضي.

وهكذا توضح البيانات التفصيلية لبنود ميزان المدفوعات المصري من موراد ومدفوعات النقد الأجنبي تلك الآثار السلبية، حيث تذكر أن الفارق بين الموارد البالغة 108.1 مليار دولار والمدفوعات البالغة 116.7 مليار دولار، يبلغ 8.6 مليار دولار تمثل قيمة العجز بالميزان الكلي لميزان المدفوعات المصري، مقابل عجز بلغ 102.5 مليون دولار فقط في العام المالي الأسبق.

لكن الذي لا يعرفه الكثيرون أن موارد العملات الأجنبية خلال العام المالي الأخير، تتضمن 15.940 مليار دولار عبارة عن قروض وودائع أجنبية، وكذلك تتضمن 4.595 مليار دولار؛ تمثل قيمة السندات التي طرحتها مصر بالخارج في شهر أيار/ مايو الماضي وما زالت بحوزة أجانب غير مقيمين بمصر، أي أنه لو تم استبعاد تلك القروض والودائع وتلك السندات فإن العجز بين الموارد والمدفوعات سيصل إلى 29.122 مليار دولار، وهو ما يمثل حجم الفجوة الدولارية التي ذكرها صندوق النقد بتقاريره عن الاقتصاد المصري في شهري آب/ أغسطس وأيلول/ سبتمبر الماضيين.

وحتى تتضح الصورة أكثر لتلك الآثار السلبية يتطلب الأمر استعراض مكونات موارد النقد الأجنبي خلال العام المالي، والتي أشارت إلى نقص تلك الموارد المتضمنة حصيلة القروض والسندات بنحو أكثر من 10 مليار دولار، بالمقارنة بالموارد المتحققة في العام المالي الأسبق، بما فيها من قروض وسندات دولية خلال ذلك العام.

53% نمو للقروض بخلاف السندات

فقد انخفضت موارد السياحة بنسبة 22 في المئة، والصادرات البترولية 27 في المئة، وإيرادات خدمات النقل 28 في المئة، والاستثمار الأجنبي المباشر 9.5 في المئة، رغم تعديل تعريف تلك الاستثمارات بإدخال الأرباح المحققة والتي لم يتم توزيعها ضمن الاستثمارات الأجنبية مما زاد من قيمتها. وتراجعت متحصلات عوائد الاستثمار بالخارج 7 في المئة، والمعونات بتراجع 38 في المئة.

وفي المقابل، زادت قيمة القروض بنسبة 53 في المئة، مرتفعة من 10.4 مليار دولار إلى 15.9 مليار دولار، وارتفعت الصادرات غير البترولية بنحو 958 مليون دولار، وهو ما فسرته البيانات بزيادة قيمة صادرات الذهب بنحو 1.566 مليار دولار، نتيجة زيادة سعر أوقية الذهب من 1359 دولار في حزيران/ يونيو 2019 إلى 1732 دولار في حزيران/ يونيو 2020، بنمو 27 في المئة.

كذلك زادت قيمة تحويلات العمالة في الخارج بنسبة 11 في المئة، وإيرادات قناة السويس 1 في المئة، ومتحصلات الخدمات بخلاف السياحة والنقل بنسبة 10 في المئة، والمتحصلات الحكومية عن الخدمات التي تقدمها السفارات المصرية للمصريين في الخارج بنسبة 6 في المئة.

لكن تلك الزيادات تعود إلى أن آثار كورونا ظهرت في النصف الثاني من العام المالي، أي من يناير كانون الثاني إلى حزيران/ يونيو، لكنها تركزت في الربع الأخير من العام المالي، أي من نيسان/ أبريل إلى حزيران/ يونيو 2020، والذي شهد موجة من الإغلاقات للأنشطة الاقتصادية والخدمية المصرية.

وهكذا، يشير استعراض حالة موارد النقد الأجنبي خلال الربع الأخير من العام المالي إلى تراجع شبه شامل لغالب أنواع الموارد، بداية من تراجع قيمة الصادرات السلعية بنسبة 29 في المئة وتراجع الصادرات الخدمية بنسبة 56 في المئة، حيث انخفضت إيرادات السياحة بنسبة 90 في المئة، وقناة السويس بنسبة 8 في المئة، وخدمات النقل 65 في المئة، والمتحصلات الحكومية 35 في المئة، كما انخفضت متحصلات دخل الاستثمار في الخارج بنسبة 12 في المئة.

واذا كان العام المالي قد انتهى مع شهر حزيران/ يونيو، فقد استمرت آثار كورنا السلبية خلال الشهور التالية، حيث أشارت تصريحات وزير السياحة إلى تراجع حاد في الحركة السياحية التي عادت في بداية تموز/ يوليو، وتدني إيراداتها نظرا لاعتمادها على سياحة طيران الشارتر الرخيصة من دول شرق أوروبا، بينما لم تصنف دول الاتحاد الأوروبي مصر ضمن الدول الآمنة من الوباء بعد لزيارتها.

كما أشارت بيانات جهاز الإحصاء الحكومي لاستمرار تراجع حصيلة الصادرات السلعية خلال شهور الربع الثالث من عام 2020، خاصة وأن نسبة 40 في المئة من الصادرات المصرية تتجه لدول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تعاني من موجة ثانية من الوباء، كما أظهرت بيانات هيئة قناة السويس استمرار تراجع الإيرادات حتى شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

نمو المدفوعات للخارج رغم كورونا

وإذا كان هذا حال موارد النقد الأجنبي خلال العام المالي الأخير، فما هو الحال في النصف الثاني من الصورة المتثمل في مدفوعات النقد الأجنبي للخارج، والتي شهدت بمجملها ارتفاعا بنسبة 6 في المئة على غير المتوقع. فرغم انخفاض قيمة الواردات السلعية بنسبة 5.5 في المئة والقروض المسددة بنسبة 18.5 في المئة، والاستثمار الأجنبي المباشر في الخارج بنسبة 6 في المئة، إلا باقي مكونات المدفوعات قد اتجهت للزيادة.

فقد تحولت قيمة استثمار الحافظة بمصر إلى التدفق للخارج، بسبب تخلص الأجانب من جانب كبير من مشترياتهم بأدوات الدين المصري من أذون وسندات خزانة، وكذلك من جانب من استثماراتهم في البورصة المصرية، وعلى الجانب الآخر زيادة قيمة تعاملات المصريين في البورصات الأجنبية. وارتفعت المصروفات الحكومية والسياحة الخارجة ومدفوعات خدمات النقل، ومدفوعات دخل الاستثمارات الأجنبية في مصر؛ متمثلة في عوائدها المحولة للخارج، كما زادت مدفوعات الخدمات الأخرى بخلاف السياحة والنقل.

وزاد الوزن النسبي لتكلفة الدين الخارجي من إجمالي المدفوعات إلى نسبة 15 في المئة، رغم تأجيل مصر سداد عدد أقساط الديون لدول خليجية وجهات أخرى، حيث بلغت تكلفة الدين الخارجي من أقساط وفوائد 17.2 مليار دولار، منها 13.2 مليار للأقساط وأربعة مليارات دولار للفوائد.

وهكذا زادت قيمة مدفوعات تكلفة الدين الخارجي عن كل أنواع موارد النقد الأجنبي عدا التحويلات والصادرات السلعية، حيث زادت عن قيمة الإيرادات من السياحة أو من الصادرات البترولية، أو من الاستثمار الأجنبي المباشر أو من قناة السويس أو غيرها.

وخلال الفترة القادمة تُتوقع زيادة رقم تكلفة الدين بالمدفوعات في ظل استمرار زيادة الاقتراض الخارجي، واستمرار ارتفاع حجم الواردات السلعية في ظل تدني نسب الاكتفاء الذاتي من الغذاء ومن المواد الخام والمشتقات البترولية والسلع الوسيطة والاستثمارية والاستهلاكية. وكذلك زيادة مدفوعات عوائد الاستثمار الأجنبي بمصر، والتي بلغت 12.3 مليار دولار متضمنة فوائد الدين الخارجي، نظرا لاعتماد البنك المركزي على شراء الأجانب أدوات الدين المصري والتي بلغ نصيبها حوالي مليارى دولار من مجمل العوائد المدفوعة للخارج، بالإضافة إلى 7.5 مليار دولار تمثل عوائد الاستثمار الأجنبي المباشر.

المصدر: وكالات

تعليقات فيسبوك
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.