“مؤتمرات الشباب” في مصر، هدر كبير وإنجازات قليلة

0

ينعقد المنتدى العالمي الثالث لشباب العالم والثامن للشباب المصري هذه الأيام وسط انتقادات واسعة لهذه المؤتمرات؛ سواء من حيث تكلفتها الكبيرة التي تثقل ميزانية الدولة المصرية ومؤسساتها.

كما وجه البعض انتقاداته لجهة عدم تنفيذ توصيات تلك المؤتمرات، وإن حدث فهي محدودة للغاية.

وانطلقت فعاليات منتدى شباب العالم في نسخته الثالثة السبت، الذى يستمر في  الفترة من 14 إلى 17 كانون الأول/ ديسمبر الحالي بمدينة شرم الشيخ، ويناقش موضوعات الأمن الغذائي، والبيئة والمناخ، والذكاء الاصطناعي، والاتحاد من أجل المتوسط، وتمكين المرأة، والفن والسينما.

“تكاليف باهظة”

وفي ورقة لها مؤخرا حول تكلفة هذه المؤتمرات، قالت “الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان”، إن المؤتمر الأول كانت تكلفته وفقا لجريدة “المصريون” 5 ملايين جنيه، أما المؤتمر الثاني فقد وصلت تكلفته لـ 3.5 مليون جنيه، هذا بخلاف ما يتم إنفاقه على تأمين المسؤولين والحضور، وهو الأمر الذي يصل لقرابة الـ2 مليون جنيه.

وأضافت الشبكة: ليس ثمة معلومات متاحة عن حجم الإنفاق في باقي المؤتمرات، إلا أنه وفقا لعدد الحضور المتقارب مع المؤتمر الثاني، فيمكننا اعتماد مبلغ الـ5 مليون جنيه كرقم تقريبي متوسط لباقي المؤتمرات، نظرا لعدم إتاحة أي معلومات رسمية، أي حوالي 40 مليون جنيه عن الثمانية مؤتمرات تقريبا.

وحول التمويل قالت الشبكة، إن مصادر التمويل تشمل البنك التجاري الدولي CIB – وبنك المصرف المتحد، والمصرية للاتصالات، بالإضافة إلى شركة طلعت مصطفى للعقارات، وقنوات إعلامية مثل DMC.

وحول إنجازات هذه المؤتمرات أضافت الشبكة: يمكن القول بإن مؤتمرات الشباب لم تحقق هدفها المعلن، وهو فتح قناة تواصل حر مع الشباب المصري، وإذا ما أمكن الحكم من خلال تطور هذه المؤتمرات وثبات نمط بعينه لها، فمن المنطقي القول بأنها تحقق هدفا غير معلن، وإن لم يكن خفيا على الإطلاق، وهو فتح قناة تسمح للسيسي بإيصال رسائله بعيدا عن قيود الخطاب الرسمي”.

وتضيف الشبكة: “يعد المؤتمر الأخير دليلا واضحا على هذه الوظيفة لمؤتمرات الشباب، فهذا المؤتمر الذي أعد وعقد بشكل مفاجئ وعلى وجه السرعة واستمر ليوم واحد على غير العادة، كان انعكاسا لحاجة الرئيس إلى توجيه رسائل محددة بشكل عاجل، ردا على اتهامات أثيرت مؤخرا وانتشرت من خلال وسائل التواصل الاجتماعي”.

“حبر على ورق”

وعد السيسي خلال المؤتمرات الأخيرة بتنفيذ 8 توصيات لم يتم  تنفيذها؛ حيث وعد  بتشكيل لجنة لدراسة مقترحات تعديل قانون التظاهر، ولم يحدث شيء من هذا القبيل.

كما تم التوصية  بقيام الحكومة بالتعاون مع الأزهر الشريف والكنيسة والجهات المعنية بالدولة لعقد حوار مجتمعي مع المتخصصين والخبراء والمثقفين، بالإضافة إلى التمثيل المكثف من الفئات الشبابية لوضع ورقة عمل وطنية، تمثل استراتيجية شاملة لترسيخ القيم والمبادئ والأخلاق السليمة لتصويب الخطاب الديني، إلا أن ذلك لم يحدث.

كما قرر السيسي إجراء حوار مجتمعي شامل لتطوير التعليم وإصلاحه، خلال شهر على الأكثر، يحضره جميع المتخصصين والخبراء، بهدف وضع ورقة علاج لمشاكل التعليم خارج الحلول التقليدية. وهذا البند أيضا لم يحدث فيه شيء، ليخرج السيسي أيضا في احتفالات المولد النبوي ليعلن أن تطوير المنظومة التعليمية يحتاج وقتا طويلا.

كما قرر السيسي دعوة شباب الأحزاب والقوى السياسية لإعداد برامج وسياسات تسهم في نشر ثقافة العمل التطوعي، وهذا أيضا لم يحدث ولم يتحرك أحد من الشباب الأحزاب التي شاركت في المؤتمر الأول نحو ذلك.

كما تقرر تشكيل لجنة لبحث الحالات المستحقة للإفراج من المعتقلين الشباب، ورغم خروج القائمة الأولى عن طريق العفو الرئاسي، إلا أنه حتى الآن لم تخرج القائمة الثانية، كما أن القائمة الأولى قيل إنها للحفاظ على مستقبل الطلاب، إلا أن المفاجأة أن هؤلاء الطلاب بعضهم مفصول نهائيا.

“تقليد رديء”

وفي سياق تعليقه على هذه المؤتمرات ومدى جدواها يقول رئيس مركز “تكامل مصر” مصطفى خضري، إنها “تعد بمنزلة تقليد رديء لمؤتمرات منظمة الشباب الاشتراكي التي أنشأها عبدالناصر مطلع الستينيات، وليس لها عائد حقيقي إلا على من يشاركون فيها؛ خاصة أن السيسي مغرم بكاريزما ناصر ويريد تكرار تجربته مع الإعلام والسياسة، والأكثر من ذلك أن السيسي يرى أن إمكانياته البلاغية وخطابه الجماهيري وكاريزميته تزيد عن عبدالناصر، لكن عبد الناصر كان محظوظا بوجود كوادر محترفة حوله، ولذلك يرغب السيسي في أن ينشئ من داخل هذه المؤتمرات تنظيما طليعيا على غرار التنظيم الطليعي الناصري، تكون كوادره سندا للسيسي في السيطرة على مفاصل الدولة”.

وحول مدى إمكانية الإنفاق على مشروعات تحقق فرص عمل بدلا من هذه المؤتمرات، أضاف خضري في تصريحات: “نظام السيسي ليس نظاما حكيما يهتم بمصالح الشعب حتى نحاكمه إلى العقل، إنه نظام ديكتاتوري يسعى إلى تنفيذ أجندات خارجية، يحلم بأن يساعده أسيادها في البقاء بالحكم أطول فترة ممكنة تسمح له بتوريث الحكم لأبنائه من بعده، ولذلك فإنه سيستخدم كل موارد الدولة لتنفيذ أحلامه بغض النظر عن احتياجات شعبه”.

وأكد مدير مركز “تكامل مصر” أن السيسي “لا يرى الشعب ولا شبابه المقهور، إنه يرى فقط الشباب المنمق الملمع الفارغ من المحتوى الذي يتم حشده في مؤتمراته للتصوير والشو الإعلامي، أما الشباب الكادح الذي يجري وراء لقمة العيش، فيرى فيهم السيسي عالة على مجتمه المخملي الذي يرغب في الهرب به إلى عاصمته الجديدة”.

“لا جدوى منها”

أما الباحث بالمعهد المصري للدراسات الاستراتيجية والاقتصادية مصطفى إبراهيم، فيرى أنه “لا جدوى مطلقا من هذه المؤتمرات التي تكلف الدولة الملايين، في الوقت الذي لا يلمس فيه أحد أي عائد اقتصادي أو اجتماعي لهذه المؤتمرات التي لا تتوقف، والتي تعقد بصورة أسبوعية تقريبا”.

ولفت مصطفى إلى أن الفنان والمقاول محمد علي “الذي كان يشارك في تجهيز مثل هذه الفاعليات”، كشف عن أن تكلفة المؤتمر أو الفاعلية الواحدة تقدر بعشرات الملايين من الجنيهات، ما بين 60 إلى 80 مليون جنيه، وهو ما يمكن أن يوفر آلاف فرص العمل للشباب، أو يسهم في إصلاح سكك الحديد، التي تشهد حوادث بصورة شبه يومية بسبب قلة الإمكانيات حسب إعلان المسؤولين المصريين”.

من جانبه قال عضو حركة “غربة” وأحد شباب ثورة يناير حسام المتيم: “بطببعة الحال يجد نظام السيسي نفسه مدفوعا لإقامة مؤتمرات كهذه، ليس كونها منتجة أو ستعود بالنفع على الشباب المصري، ولكن كونها أداة مهمة في الترويج لصورة نمطية مختلفة وغير واقعية، على أمل أن تتخفى ديكتاتورية نظامه العسكري الفاشي بين طيات تلك المؤتمرات، وتظهر الصورة المخادعة التي يريد نظامه دوما إثباتها، وهي كونه نظاما ديموقراطيا شرعيا، يهدف لصالح وطنه وشعبه وبالأخص شبابه”.

“تلميع صارخ”

ويضيف المتيم: “لذا نجد إصرار نظام السيسي العسكري القمعي على إقامة تلك المؤتمرات، بالرغم من الحالة الاقتصادية المتردية لمعظم فئات الشعب المصري، وفي القلب منها الشباب الذي يعاني الأمرين من ارتفاع معدل البطالة، ومن غياب منظومة عدالة اجتماعية تكفل له الحصول ولو على قدر قليل من حقوقه الأساسية”.

ويختم المتيم كلامه بالقول: “في المقابل نجد بالتوازي مع هذا التجاهل المتعمد والمقصود للشباب ومشاكله، محاولات حثيثة لإضفاء حالة من الكذب والتلميع الصارخ لرأس النظام، التي يحاول أن يظهر من خلالها كرئيس يهتم لأمر الشباب، ويستمع لهم ويخطط من أجل مستقبل أفضل لهم”.

 

“إهدار للمال العام”

من جانبه يؤكد الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي أن عقد المؤتمرات الدولية، لها عامل إيجابي لأي دولة على الصعيدين السياسي والاقتصادي، ولكن النظريات الاقتصادية تقول إن “زيادة الشيء عن حده، يفقده قوة تأثيره وأهميته”.

ويوضح الصاوي أن مصر تعاملت مع عقد المؤتمرات الدولية والإقليمية بشكل سيء وسلبي، لخدمة أهداف نظام الانقلاب وليس من أجل خدمة الاقتصاد المصري، وهو ما يؤكده نوعية المشاركين في المؤتمرات، وهل يمثلون قيمة إضافية للتنمية المستدامة لمصر، أم لا.

وحسب الصاوي، فإن كل المؤتمرات التي نظمها السيسي لم تقدم أي إفادة للاقتصاد المصري، سواء التي عقدها في بداية رئاسته بمؤتمر شرم الشيخ الشهير، أو من خلال المؤتمرات الأخيرة، ولذلك يتضح أن الهدف الأساسي منها، هو الترويج للسيسي ونظامه، وهو ما يمثل عبئا على موازنة الدولة، نتيجة تكلفة عقد هذه المؤتمرات، التي يصل عدد المشاركين في بعضها 10 آلاف مشارك، في وقت تعيش فيه الدولة أزمات اقتصادية طاحنة.

ويشير الخبير الاقتصادي، إلى أن تكلفة الفرد الواحد بأي مؤتمر، لا يقل عن 300 دولار، وهو ما يعادل 5000 آلاف جنيه، وهو مبلغ يكفي راتب لمدة شهرين لأي شاب مصري عاطل، أما تكلفة المؤتمر الواحد فقد تصل لأكثر من 30 مليون دولار، بما يعادل 4.8 مليار جنيه، وهو مبلغ كفيل ببناء عشرات المدارس والمستشفيات.

ووفق الصاوي فإن هذه المؤتمرات تعد من الأسرار الحربية، حيث لا يحق لأحد أن يحاسب المسؤولين عنها عن الإنجازات والإخفاقات، التي حققوها في المؤتمرات السابقة، وهو ما يجعلها مجرد “مكلمة” للنظام المصري، يقدم فيها نظريات عقيمة  فشلت في جذب المستثمرين الأجانب لمصر، كما أوضح التقرير الأخير للبنك المركزي المصري.

ويضيف الصاوي قائلا: “من المفترض أن مصر في حالة منافسة مع دول القارة الإفريقية لجذب الاستثمارات الأجنبية، وبدلا من أن يقوم النظام بعقد مؤتمرات لجذب المستثمرين الأجانب، فإنه يقوم بعقد مؤتمرات لدعم المنافسين لمصر اقتصاديا، وهو ما يدعم فكرة أن الهدف من هذه المؤتمرات، هو الترويج السياسي للسيسي وليس الترويج الاقتصادي أو السياحي لمصر”.

“غير مصنفة دوليا”

ويؤكد رئيس المكتب الإعلامي في المجلس الثوري المصري، د. محمد صلاح حسين أن السيسي عقد خلال ثلاث سنوات ما لا يقل عن 9 مؤتمرات للشباب، من بينها مؤتمرين خلال أقل من شهرين، وهي نفس الفترة التي بلغت فيها أعلى معدلات للانتحار بين الشباب تشهده مصر مؤخرا، بالإضافة لاعتقال الآلاف، وتنفيذ أحكام الإعدام في العشرات منهم.

ويوضح حسين، أنه فيما يتعلق بمؤتمرات التنمية المستدامة، فقد عقد السيسي ثلاثة مؤتمرات في أقل من شهر، ورغم ذلك لم يترتب عليها إنشاء مصانع أو جرى توفير فرص عمل للشباب، أو حدثت انفراجة سياسية حقيقية بإطلاق سراح آلاف المعتقلين، أو حتى ظهور عشرات المئات من المختفين قسريا، مؤكدا أن هذا لم يحدث منه شيء، لأن الهدف من المؤتمرات هي “الشو الإعلامي والسياسي” للسيسي.

ويشير رئيس المكتب السياسي بالمجلس الثوري المصري، إلى أن السيسي وسط هذا الزخم في المؤتمرات، لم يعقد مؤتمرا واحد للقوى السياسية والحزبية، حتى لو كانت القوى السياسية والحزبية الشكلية والتابعة له، للبحث عن طريقة للخروج من حالة الاختناق السياسي التي صنعها الانقلاب العسكري، كما لم يعقد أي مؤتمر علمي، أو صناعي، أو اقتصادي حقيقي لانتشال مصر من الكارثة الاقتصادية التي تغرق فيها.

ويضيف حسين قائلا: “ثلاثة من المؤتمرات الأخيرة كانت مرتبطة بإفريقيا، ومنها مؤتمر كان خاصا بالسلام الإقليمي، ورغم ذلك لم تستفد منهم مصر، في دعم موقفها بأزمة سد النهضة، التي لم تكن مدرجة من الأساس على أي جدول أعمال للمؤتمرات التي كلفت خزانة الدولة مليارات الجنيهات”.

ويوضح حسين أن هذه المؤتمرات ليست مصنفة دوليا، بينما المؤتمرات الدولية التابعة للأمم المتحدة، أو إحدى هيئاتها، فقد هربت من مصر، نظرا لمكانتها المتقدمة في قائمة الدول التي تنتهك حقوق الإنسان، وتعادي الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير.

المصدر: وكالات

تعليقات فيسبوك
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.