كيف حطّم الاستقطاب السياسي تجربة مصر الديمقراطية؟

0

سلطت كاتبة، في مقال لها نشرته صحيفة “لوس أنجليس تايمز”، الضوء على التجربة الديمقراطية في مصر، والتي انطلقت قبل عشر سنوات، وآلت إلى الفشل، ملقية باللوم على حالة الاستقطاب الحاد بين المكونات الموجودة، والتي أجهضت التجربة الوليدة.

وقالت إليزابيت آر نوجنت إن الاستقطاب يقف من وراء العديد من الأزمات السياسية التي تحدد معالم اللحظة العالمية الحالية، فعندما تمقت الأحزاب السياسية وموالوها بعضهم البعض، وإذا ما دبت الخلافات بينهم، يمكن للشقاق أن يعيق الحكم الفعال، ويحرض على العنف في الشوارع.

ورأت أن الاستقطاب خلال العقد الماضي أدى إلى إحباط تجربة مصر القصيرة مع الديمقراطية، فيما شكل واحدة من أقوى الضربات التي وجهت للربيع العربي.

وأضافت أنه “في مثل هذا الشهر قبل عشرة أعوام، وصل الربيع العربي إلى القاهرة، وذلك بعد أن ألهمت الانتفاضة التونسية ملايين المصريين من كل الطبقات ومشارب الحياة والانتماءات السياسية، فاندفعوا كالطوفان إلى الشوارع، في حالة أشبه ما تكون بالحلم، حالة من النشوة والوفاق”.

وتابعت: “حينها تحول ميدان التحرير في قلب العاصمة إلى بحر من الأعلام الوطنية المصرية، وتبادل المسلمون والمسيحيون فيه الأدوار في حراسة بعضهم البعض من قوات الأمن أثناء إقامتهم لشعائر الصلاة. ومعا تمكن المصريون من إجبار الرئيس حسني مبارك على الاستقالة بعد مكوثه ما يقرب من ثلاثين عاما في السلطة”.

“إلا أن الوحدة المنشودة للانتفاضة لم تلبث أن تبددت بسرعة بعد سقوط مبارك، وصدع الاستقطاب الإجماع المناصر للديمقراطية، تمكنت جماعة الإخوان المسلمين عبر حزبها، حزب الحرية والعدالة، من الهيمنة على صناديق الاقتراع، لكنها أثبتت عدم قدرتها على الحكم بفعالية”، بحسب إليزابيت آر نوجنت.

وفيما يلي نص المقال كاملا:

يقف الاستقطاب من وراء العديد من الأزمات السياسية التي تحدد معالم اللحظة العالمية الحالية. عندما تمقت الأحزاب السياسية وموالوها بعضهم البعض وإذا ما دبت الخلافات بينهم، يمكن للشقاق أن يعيق الحكم الفعال ويحرض على العنف في الشوارع.

يؤدي الاستقطاب بأصحاب الآراء السياسية المتباينة حتى وهم يرون نفس الحقيقة إلى أن يخلصوا إلى استنتاجات مختلفة جداً بل وحتى متناقضة تماماً. ولقد أدى الاستقطاب خلال العقد الماضي إلى إحباط تجربة مصر القصيرة مع الديمقراطية فيما شكل واحدة من أقوى الضربات التي وجهت للربيع العربي.

في مثل هذا الشهر قبل عشرة أعوام، وصل الربيع العربي إلى القاهرة، وذلك بعد أن ألهمت الانتفاضة التونسية ملايين المصريين من كل الطبقات ومشارب الحياة والانتماءات السياسية فاندفعوا كالطوفان إلى الشوارع في حالة أشبه ما تكون بالحلم، حالة من النشوة والوفاق. حينها تحول ميدان التحرير في قلب العاصمة إلى بحر من الأعلام الوطنية المصرية، وتبادل المسلمون والمسيحيون فيه الأدوار في حراسة بعضهم البعض من قوات الأمن أثناء إقامتهم لشعائر الصلاة.

ومعاً تمكن المصريون من إجبار الرئيس حسني مبارك على الاستقالة بعد مكوثه ما يقرب من ثلاثين عاماً في السلطة.

إلا أن الوحدة المنشودة للانتفاضة لم تلبث أن تبددت بسرعة بعد سقوط مبارك. وصدع الاستقطاب الإجماع المناصر للديمقراطية. تمكنت جماعة الإخوان المسلمين عبر حزبها، حزب الحرية والعدالة، من الهيمنة على صناديق الاقتراع ولكنها أثبتت عدم قدرتها على الحكم بفعالية.

وأخفقت الجهود التي كانت تبذل لصياغة دستور جديد عندما انسحب خصوم الإخوان من العملية مشيرين إلى انتهاج إجراءات غير عادلة وإلى وجود تباينات حول النص. وحينها حذر ناطق باسم حزب الحرية والعادلة قائلاً: “في ظل الحالة الراهنة من الاستقطاب وبدون التوصل إلى تفاهم أو إلى العمل معاً فإننا سنصل إلى الجحيم وسوف يقتل بعضنا بعضاً في الشوارع”.

بعد عام واحد فقط من وجوده في الرئاسة، واجه الرئيس محمد مرسي من حزب الحرية والعدالة مظاهرات ضخمة قوبلت بمظاهرات مضادة نظمها مؤيدوه. خلال أيام، استغل الجيش المصري الانقسامات فاستولى على السلطة في انقلاب. وبذلك انتهت تجربة مصر الديمقراطية وكان الاستقطاب هو الملام.

إن التحول الديمقراطي عملية مشروطة، وتعتمد على اتخاذ الزعماء قرارات صعبة وتسويات مؤلمة في اللحظات الحرجة. إلا أن المعارضة المصرية، التي غلب عليها انعدام الثقة والتشدد، هدرت فرصة كانت سانحة لتميد طريق يقود البلاد بعيداً عن السلطوية. بدلاً من ذلك، رأى العديد من خصوم حزب الحرية والعدالة في تدخل العسكر خياراً أفضل من الاستمرار تحت حكم الإخوان المسلمين. بل لقد جلس بعضهم على المنصة ليقدم الدعم المعنوي للجنرال عبد الفتاح السيسي بينما أعلن هو عن الانقلاب.

كيف وصلت المعارضة المصرية إلى هذه الحالة من الانقسام؟ كان الاستقطاب في مصر تركة مباشرة للقمع الذي كان يمارسه نظام مبارك. فما بين 1981 و 2011، قمع مبارك جماعة الإخوان المسلمين بقسوة بينما كان يتقرب من خصومها أو على الأقل يتسامح معهم. وهذا أوجد مستويات عالية من انعدام الثقة والعداء وفي نفس الوقت أدى إلى تكريس وتصليب الحدود الفاصلة بين الهويات المختلفة لعناصر المعارضة.

ليس كل الدول عانت من نظام قمعي مثل نظام مبارك، إلا أن العمليات السياسية والنفسية التي شتت شمل الطبقة السياسية في مصر يمكن أن تحدث في أي مكان. يخبرنا علم النفس الاجتماعي أنه عندما تصلب التهديدات الجمعية المبادرات الجماعية، فإن عملية التمايز بين عناصر الجماعة تثمر مجموعة من التحيزات المعرفية التي تتراوح ما بين تفضيل الذات إلى انعدام الثقة بالآخر.

تنطلق هذه العملية كلما شعرت جماعة من الناس بأن خطراً ما يتهدد وجودها أو معيشتها أو أنماط حياتها، وخاصة عندما يعمد السياسيون إلى المبالغة في تصوير هذه الأخطار لغايات سياسية. وفي نهاية المطاف، فإن التصرفات والسلوكيات الإقصائية التي تفرزها هذه العملية توجد في الصميم من الاستقطاب السياسي المتفاقم.

ينبغي أن يكون في تقويض التجربة الديمقراطية المصرية عبرة للسياسيين والنشطاء في كل مكان: إن الاستقطاب مهدد خطير للديمقراطية، وإن بناء الثقة وإيجاد أرضية مشتركة يتطلب عملاً شاقاً.

لقد جلب انقلاب 2013 في مصر إلى السلطة “الدكتاتور المفضل” لدى دونالد ترامب. ففي عهد السيسي وقعت البلاد في سلطوية أسوأ من تلك التي كانت في عهد مبارك. وبات اقتصاد البلاد اليوم في حالة يرثى لها، ولا وجود في مصر لأي مؤسسات منتخبة ديمقراطياً، وغدت الشرطة فيها أكثر قمعاً من أي وقت مضى. لقد سجن النظام ما لا يقل عن ستين ألفاً بتهم دوافعها سياسية بينما همش في ذات الوقت كل شكل من أشكال المعارضة السياسية التي لها معنى. وها هم أبطال الربيع العربي يقبعون الآن في السجون أو يعيشون في المنافي.

بينما تنحرف بلدان المعمورة بشكل متزايد نحو السلطوية، ينبغي على النخب السياسية حول العالم أن تتذكر العملية المفجعة التي أنهت الحلم الديمقراطي في مصر، حتى الآن على الأقل. عليهم أن يعلموا أن جل تلك المأساة إنما نجم عن الإخفاق في تقديم القيم المشتركة على الخلافات الحزبية.

المصدر: وكالات

تعليقات فيسبوك
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.