كورونا يهدد نظام السيسي

0

نشرت مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية، تقريرا كشفت فيه كيف شكّل فيروس كورونا المستجد، تهديدا سياسيا لنظام عبد الفتاح السيسي.

وأوضحت المجلة في تقريرها أن الوباء أظهر أوجه الفشل للحكومة التي “لطالما أهملت القطاع الصحي”.

وأضاف التقرير أنه “فيما لو استمر فيروس كورونا في انتشاره السريع، فستكون مجرد مسألة وقت قبل أن تتفجر الأزمة الصحية الحالية وتتحول إلى أزمة سياسية”.

وحول الكوادر الطبية التي تعاني من إمكانيات متواضعة، قالت المجلة إنه “من المحتمل أن يلجأ السيسي خلال الشهور القادمة إلى التخفيف من سخط الشعب من خلال الاعتراف بالجميل للأطباء والعاملين في القطاع الصحي”.

وحتى صباح الأحد، أعلنت مصر تسجيل 6193 إصابة بفيروس كورونا، نتج عنها 415 حالة وفاة.

وتاليا نص الترجمة الكاملة لتقرير “فورين بوليسي”:

في السادس عشر من مارس / آذار كان يوجد في مصر 126 حالة مؤكدة من الإصابات بفيروس كورونا الجديد. بحلول منتصف إبريل / نيسان نما العدد ليصبح أكثر من 2700. وبعد أسبوع، نمت الحالات بما يزيد عن الثلث. رغم أن تفشي الوباء مازال في بداياته إلا أن النظام الصحي المصري الضعيف بات في حالة من الإعياء. وكذلك عموم الناس في البلاد. فالاقتصاد الذي يعاني أصلا من مشاكل منذ زمن والحكومة التي لم تعتبر الإنفاق على الخدمات الصحة من أولوياتها، كل ذلك يصب الزيت على النار. وفيما لو استمر فيروس كورونا في انتشاره السريع، فستكون مجرد مسألة وقت قبل أن تتفجر الأزمة الصحية الحالية وتتحول إلى أزمة سياسية.

لقد سلط الازدياد الحاد في عدد حالات الإصابة بفيروس كورونا الضوء على الوضع المزري لنظام الرعاية الصحية في مصر. فمنذ الثامن والعشرين من إبريل / نيسان تأكد وجود ما يقرب من خمسة آلاف حالة بينما توفي 359 مصاب بفيروس كورونا، وما من شك في أنه بسبب قلة الفحوصات التي يتم إجراؤها فلا يستبعد أن يكون الرقم الفعلي للإصابات أكبر من ذلك بكثير.

في كل أرجاء البلاد، هناك نقص حاد في الأطباء والممرضين والعقاقير والمستلزمات الطبية والأسرة، مما يجعل نظام الرعاية الصحية غير قادر على التعامل مع الوباء الذي ينتشر بسرعة فائقة وأثبت أنه فتاك. فلقد دفع تدني الأجور وسوء ظروف العمل كثيرا من الأطباء إلى مغادرة البلد، بما في ذلك عشرة آلاف خلال السنوات الثلاث الماضية فقط. فبحسب تقدير صادر عن نقابة الأطباء المصريين، يوجد من بين 220 ألف طبيب مسجل ما يقرب من 120 ألفا يعملون خارج مصر.

وتعاني المستشفيات الحكومية من نقص في العاملين في التمريض يتراوح ما بين 55 ألفا وستين ألفا. ويوجد في مصر 1.3 سرير مستشفى لكل ألف شخص مقارنة بما يقرب من 13 في اليابان وثمانية في ألمانيا وستة في فرنسا. ولذلك ليس مستغربا، كما ورد في تقرير لموقع الباروميتر العربي أن 31 بالمائة من المصريين فقط قالوا إنهم راضون عن البرنامج الإجمالي للرعاية الصحية الذي قدمته الحكومة في الفترة من 2018 إلى 2019، بما يمثل تراجعا يقترب من عشرين نقطة عما كان عليه الوضع في 2010.

يشكل الأطباء والممرضون ما نسبته 13 بالمائة من حالات الإصابة بفيروس كورونا في مصر، وهي تقريبا نفس النسبة التي سجلت في إيطاليا وإسبانيا. ورغم ما يشكله الحديث عن ذلك من خطورة عليهم، إلا أن بعض الأطباء لجأوا إلى مواقع التواصل الاجتماعي لرفع مستوى الوعي بشأن ظروف العمل وسوء الإدارة والنقص في المواد والمستلزمات، بما يهدد -كما يقولون- حياتهم. وأصبحت شائعة مقاطع الفيديو التي تصور العاملين في القطاع الطبي وهم يتظاهرون احتجاجا داخل ممرات المستشفيات. وإذا ما تفاقمت الأزمة، فقد تخفق المحاولات التي تبذل لكتم أصواتهم.

منذ عقود وقطاع الصحة يعاني من تجاهل الحكومة، وخاصة حينما يقارن ذلك بنصيب قوات الأمن في الميزانية العامة للدولة. بل لقد انخفض إنفاق الحكومة على الصحة من 6.7 بالمائة من الميزانية العامة في عام 2000 إلى 4.2 بالمائة في عام 2016.

ولعل العبء المتصاعد لوباء فيروس كورونا يكون منبها لقادة البلد ومذكرا لهم بأنه ليست كل التهديدات ذات طبيعة عسكرية. فمنذ أن أصبح عبد الفتاح السيسي رئيسا للبلاد في عام 2014، بالغ في التأكيد على التهديد الذي يشكله الإرهاب وعلى التضحيات التي يقدمها العسكر والشرطة في مصر لمكافحته. وقد جاء ذلك على حساب مخاطر أخرى. من المعروف أن الجيش هو أقوى مؤسسة سياسية واقتصادية وأمنية في مصر. ولم يزل دوره منذ 1952 مركزيا في النظام السياسي وفي الاقتصاد وفي المجتمع. ولم يزل منذ سبعة أعوام منخرطا بكثافة في محاربة المتشددين الإسلاميين في سيناء.

وفاقم من شعور الناس بالإحباط استشراء الفساد وسوء التصرف بالموارد. وكانت قد انطلقت في سبتمبر / أيلول الماضي احتجاجات نادرة ضد السيسي بعد أن بدأ محمد علي، المقاول السابق مع الجيش المصري –والذي اختار طوعيا اللجوء إلى الخارج، في نشر سلسلة من مقاطع الفيديو التي اتهم من خلالها كبار القادة بالفساد. وزاد من سخط الجماهير تأكيدات السيسي بأن القصور الرئاسية التي انتقد على إنشائها إنما كانت للصالح العام – وأنها كانت ضرورية من أجل بناء “الدولة الحديثة”. في تلك الأثناء تستمر الحكومة المصرية بإنشاء عاصمة جديدة ساحرة إلى الشرق من القاهرة بتكلفة تقدر بما يقرب من 58 مليار دولار.

للمرء أن يتصور كم يبعث ذلك كله على القلق إذا ما أخذنا بالاعتبار أوضاع البلاد الاقتصادية السيئة. فمازال المصريون يعانون من تبعات تعويم الجنيه المصري في 2016، مما نجم عنه فقدان الجنيه لنصف قيمته مقابل الدولار. وفي عام 2018، ارتفع معدل الفقر على مستوى البلاد إلى 32.5 بالمائة، بزيادة قدرها خمسة بالمائة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عامين سابقين. لم يزل التعافي الاقتصادي بطيئا جدا، لدرجة أن النشاط الاقتصادي المصري خارج قطاع النفط انكمش في يناير / كانون الثاني إلى أهبط نقطة له في ثلاث سنين تقريبا.

وما من شك في أن الإغلاق المرتبط بتفشي فيروس كورونا عالميا سوف يؤدي إلى انخفاض حاد في موارد الدولة الرئيسية من العملة الصعبة التي هي في أمس الحاجة إليها: الإيرادات من السياحة (والتي تشكل ما نسبته 12 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في مصر)، ورسوم الملاحة عبر قناة السويس، والاستثمارات الأجنبية، وتحويلات العاملين في الخارج – والذين يعمل الكثيرون منهم في قطاعات تأثرت بشكل مباشر بالإجراءات المقيدة التي يقصد منها مكافحة فيروس كورونا، والانخفاض في إنفاق المستهلكين.

لا مفر من أن تنمو معدلات البطالة والفقر. وأكثر القطاعات تأثرا سيكون قطاع القوى العاملة المؤقتة في مصر، حيث يقدر عدد هؤلاء العمال بما يتراوح بين 5 إلى 12 مليون. من بين كل هؤلاء سيتمكن 1.5 مليون فقط من تلقي العون من وزارة القوى العاملة – وهو عبارة عن مساعدة قدرها 1500 جنيه مصري (أي حوالي 95 دولارا) تسلم على أقساط. أما البقية فلن يستلموا شيئا لأنهم غير مسجلين لدى الوزارة. ولذلك فإن الملايين المنسية، التي لا تملك ضمانا اجتماعيا ولا دخلا ثابتا، ستكون بمثابة قنبلة موقوتة.

وبينما يستمر قطاع الصحة في التهاوي تحت وطأة الوباء وبينما تتعاظم معاناة عامة الناس، لسوف تجد الحكومة من الصعوبة بمكان الاستمرار في تبرير إنفاقها ببذخ على المدن ذات البوابات وعلى القصور الرئاسية وعلى جهاز الأمن المتخم والمتضخم.

من المحتمل أن يلجأ السيسي خلال الشهور القادمة إلى التخفيف من سخط الشعب من خلال الاعتراف بالجميل للأطباء والعاملين في القطاع الصحي (والذين بات يشار إليهم بعابرة “جيش مصر الأبيض” في وسائل الإعلام التي تديرها الدولة) وحقن المزيد من الموارد في نظام الرعاية الصحية. ولقد قام فعلا باتخاذ بعض الخطوات في هذا الاتجاه. ففي محاولة لزيادة نشاطها للتصدي لوباء كوفيد-19، فتحت الحكومة المزيد من مراكز الفحص، واشترت مواد اختبار ومستلزمات طبية إضافية، ورفعت رواتب الأطباء.

في هذه الأثناء، وبهدف دعم القطاع الصناعي وتعزيز الاستثمار، خفضت الحكومة أسعار ما يتم تزويد المصانع به من غاز طبيعي وكهرباء لثلاثة شهور. كما خفضت الحكومة الضرائب على الأسهم، وعمد المصرف المركزي إلى تخفيض أسعار الفائدة بمعدل 3 بالمائة وأجل لمدة ستة شهور التواريخ المقررة لسداد قروض المشاريع التجارية الصغيرة وقروض المستهلكين.

ولكن قد لا تكون هذه الإجراءات كافية.

يعلم المراقبون للسياسة المصرية المعاصرة مدى سرعة انتشار المطالبات بالتغيير في أوقات الأزمات. ولذلك إذا لم تتخذ الحكومة خطوات حاسمة -خاصة من أجل دعم القطاع الصحي- فمن الممكن توقع إقبال البلاد على موسم جديد من السخط.

في عام 2011، اختفت قوة الشرطة المصرية بأسرها ولم يعد لها أثر – وذلك على إثر مواجهتها بثلاثة أيام من الاحتجاجات والاشتباكات. شحذ ذلك الانسحاب المفاجئ همة الثوار وأدى في نهاية المطاف إلى استقالة الرئيس حسني مبارك بعد ثلاثين عاماً من الحكم، كان ذلك هو نصيب مصر من الربيع العربي. قبل ذلك بعقود، نجم عن هزيمة مصر المريرة أمام إسرائيل في حرب 1967 أن تقدم الرئيس جمال عبد الناصر، صاحب الكاريزما، باستقالته. ما لبث ناصر أن سحب استقالته ولكن الهزيمة حطمت صورة مصر في العالم العربي. وفي دورة مشابهة، بلغت أحداث عام 1981 الهائجة ذروتها باغتيال الرئيس أنور السادات، وهذه بدورها تمخضت عنها اشتباكات بين قوات الأمن والجيش من جهة والإسلاميين من جهة أخرى، راح ضحيتها ما يزيد عن 100 نفس في مدينة أسيوط الجنوبية.

ونظرا لعدم وجود ما يكفي من الشرعية للاتكاء عليها، فإن الطبقة السياسية في مصر اليوم أضعف مما كانت عليه في تلك اللحظات. بل لقد كشفت الأزمة الحالية عن تصدعات ملموسة، ولا أدل على ذلك من تحول وزيرة الصحة هالة زايد إلى شخصية يصب الناس عليها جام سخطهم بسبب طيرانها إلى إيطاليا لتقديم العون الطبي لها بينما تعاني مصر من نقص حاد في المستلزمات الطبية أو من ارتفاع شديد في أسعارها.

وفي الشهر الماضي، تجمع الناس في عدة أجزاء من الإسكندرية يرفعون أصواتهم بالدعاء على الفيروس، في تظاهرة نادرة بالرغم من أنهم بذلك يكونون تحت طائلة قانون جائر يعود إلى عام 2013 يحظر الاحتجاجات والتجمعات غير المرخصة. وفي الحادي عشر من إبريل / نيسان أطلقت قوات الشرطة الرصاص والغاز المسيل للدموع داخل قرية في الدقهلية بعد أن منع سكانها دفن طبيب توفي بسبب الإصابة بمرض كوفيد-19 خشية أن تنتقل العدوى إليهم. ما من شك في أن الخروج ضد النظام سيجد تربة خصبة حينما تتضافر التظلمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية.

وقد تكون الأزمة الحالية سبباً في تغيير آخر، وهذا التغيير يتعلق بالانطباعات السياسية وبما هو مفضل في نظر الناس. فمنذ أن أعادت النخبة الحاكمة في مصر الاستيلاء على السلطة في 2013، ما فتئوا يدعون إلى نمط من الوطنية المتشددة، ويسعون بكل الوسائل لتسويق مبادئها وطقوسها وأساطيرها، وتستخدم الحكومة القانون والخطاب العام ووسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية والأفلام السينمائية وبرامج التلفزيون للتأكيد على أن البطولة تأتي حصريا في الزي الرسمي وأن وجود رجل قوي على رأس هرم السلطة هو العلاج الوحيد لما تعانيه البلاد من أسقام.

باتت عقيدة الدولة تتشكل من مزيج من القومية والعسكرة والرجولة. ولكن من يقفون على خط المواجهة الآن هم الأطباء والممرضون، حيث يدفعون عن الناس خطر الفيروس القاتل، ولا يحظون في سبيل ذلك بكثير من الدعم: بات الأبيض اليوم يضاهي الكاكي. ومن يتابع مواقع التواصل الاجتماعي فلن يفوته ملاحظة أنها تفيض بالإشادة بالأطباء وبالشكاوى حول ظروف العمل السيئة التي يضطرون للعمل فيها.

إذ بدا من المستبعد أن يكون بإمكان فيروس إعادة تشكيل السياسة والمجتمع في مصر، فهناك سابقة جديرة بالملاحظة. في عام 1918، عاث فيروس الأنفلونزا الإسبانية دمارا في مصر، حيث قتل حوالي 138 ألف إنسان، أي حوالي واحد بالمئة من عدد السكان الإجمالي، وكان معظم الضحايا في الأرياف التي تعاني من الفقر. ولقد أشار المؤرخ كريستوفر إس. روز، الذي درس الأثر السياسي للوباء أن الاحتياجات العسكرية حلت محل الاحتياجات المدنية. وسريعا ما اجتيحت المستشفيات وتوقف تماما الإنتاج الزراعي بينما اكتسح الفيروس الأرياف. أدت النكبة التي وقعت أثناء الحرب العالمية الأولى إلى دفع المصريين نحو حافة الهاوية. وما لبثت في عام 1919 أن انطلقت الاحتجاجات ضد الحكم البريطاني، وسقط مئات القتلى، ولكن في نهاية المطاف نجحت الثورة، وخلال ثلاثة أعوام كسبت مصر استقلالها.

المصدر: وكالات

تعليقات فيسبوك
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.