صمت مريب في لبنان حيال استمرار الاعتقال التعسفي بحق محتجي طرابلس

0

محمد الباي، موسى الحسامي، محمد معرباني، ومهدي البحري. أربعة شبان في مطلع العشرينات ما زالوا موقوفين منذ أواخر كانون الثاني/ يناير 2020، على خلفية احتجاجات طرابلس الأخيرة، التي ترافقت مع اعتقال مجموعات من الشبان بينهم قصر، أخلي سبيلهم لاحقاً، فيما أبقي على هؤلاء الأربعة.

حكاياتهم تتقاطع في تفاصيل كثيرة، فهم جميعاً أبناء بيئات فقيرة قاسية، شاركوا في تظاهرات المدينة، طامحين بمستقبل أقل بؤساً وحياة أفضل من المأساة الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشونها، لكنهم وجدوا أنفسهم اليوم خلف القضبان بتهمة “الإرهاب”.

روايات أهالي الموقوفين التي تناقلها الإعلام تتحدث عن صدمة من التهمة، إضافة إلى أن معظم الشبان تعرضوا للضرب والعنف في التوقيف بحسب شهادات الأهل الذين يعيشون قلقاً وبؤساً مضاعفاً بسبب الاعتقال التعسفي بحق أبنائهم. المعاناة أهالي الموقوفين هي في الواقع جزء من مسار طويل لردع من يريد الاحتجاج ضد إفقاره، وهو أمر يواجهه بشكل متكرر محتجو طرابلس. هذه المقاربة اشتدت بعد الاحتجاجات الأخيرة التي اندلعت جراء الأزمة الاقتصادية وسوء إدارة الإقفال العام الذي فرضته الحكومة لمواجهة انتشار فايروس “كورونا”. وطرابلس عاشت أيام الإقفال في أصعف الظروف، إذ تضاعف بؤس المدينة التي تعاني من معدلات فقر وبطالة حادّة، علماً أن كثيرين فيها يعتمدون على المياومة، وبالتالي فإن الالتزام بالإقفال العام يعني الجوع، في غياب أي خطة رسمية مجدية لدعم المواطنين وبخاصة الفقراء في هذه الفترة الصعبة.

هناك بين 35 و37 شخصاً مدعى عليهم، بينهم 24 موقوفاً، أخلي سبيلهم جميعاً، ما عدا 4 موقوقين ما زالوا إلى الآن في السجن منذ كانون الثاني الماضي. 

لكن الاحتجاجات قوبلت بعنف شديد، راح ضحيته الشاب عمر طيبة، إضافة إلى عدد من الجرحى، وبعضهم لم يستطع المشي إلى الآن جراء عنف الجيش واستعماله الرصاص الحي.

يقول وكيل المدعى عليهم المحامي أيمن رعد لـ”درج” إن هناك بين 35 و37 شخصاً مدعى عليهم، بينهم 24 موقوفاً، أخلي سبيلهم جميعاً، ما عدا 4 موقوقين ما زالوا إلى الآن في السجن منذ كانون الثاني الماضي.

لم تحدد جلسات محاكمة بعد والملف ما زال أمام قاضي التحقيق مارسيل باسيل.

الذي استجوب 24 موقوفاً، وبعد أول استجواب أخلي سبيل 4 منهم، ليستجوب الـ20 مرة ثانية، في حين أن الآخرين (غير الموقوفين) لم يستجوبوا بسبب إجراءات المحكمة العسكرية خلال فترة الإقفال العام.

العدد الأكبر من الموقوفين تعرضوا للضرب والإهانات خلال الاستجوابات لدى القوى الأمنية، بخاصة لدى مخابرات الجيش، كما أن ظروف الاعتقال سيئة جداً وترتقي إلى مستوى التعذيب لدرجة أن عمر البقاعي (أحد الموقوفين) بدأ بتناول مهدئ للأعصاب.

أما في المخالفات القانونية في الملف فيقول رعد، “هناك مخالفة بشكل فاضح للمادة 47 المعدلة حديثاً، فجميع الذين أوقفوا للتحقيق لم يحضر معهم محامون لأن الأجهزة الأمنية تلاعبت على هذه المادة عبر عدم سؤالهم عما إذا كانوا يريدون تعيين محامٍ، مع العلم أن المحققين وضعوا في المحضر أنهم سألوا المتهمين وأجابوا بالنفي”، وأكثر من ذلك يضيف رعد، “أحد الموقوفين اتصل بأهله وطلب توكيل محامٍ، وهذا يثبت أن المعنيين لم يطرحوا السؤال على الموقوفين”.

شهادات أهالي الموقوفين والمفرج عنهم تفيد بأن الأجهزة الأمنية كذبت على الأهل والمحامين من خلال إنكار احتجاز بعض الموقوفين لديها. يعطي رعد مثالاً أن قوى الأمن الداخلي عممت اسم موقوف على اعتبار أنه مفقود، ليتبين لاحقاً وبعد سؤال الأهل عنه أنه محتجز لدى مخابرات القبة، في حين أن مخفر القبة البعيد بضعة أمتار  كان عمم اسمه على أنه مفقود للبحث عنه، “مخابرات الجيش في وزارة الدفاع كانت طلبت 4 أشخاص للتحقيق في ملف احتجاجات طرابلس، وفعلاً سلموا أنفسهم، وأخبروا المحامين أن بإمكانهم حضور التحقيق وفقاً للمادة 47 ولكن عند وصول المحامين صباحاً فوجئوا بنقل الموقوفين إلى الشرطة العسكرية”.

هذه الممارسات تشي بأن هناك محاولة تهرب من الأجهزة الأمنية، وفي هذه الحالة المقصود “مخابرات الجيش”، من تطبيق المادة 47، “لا نية لديهم بتطبيقها، والدليل أن التحقيق كان يجرى بإشراف المخابرات لدى الشرطة العسكرية” يقول رعد.

اللافت في الموضوع أيضاً أن الاحتجاجات في طرابلس قامت على الاعتراض على سياسة الإقفال العام، وبعدما اعتقلت السلطة المتظاهرين، تراجعت حواجز القوى الأمنية التي كانت تتشدد في منع التجول أو السؤال عن تصريح التجول، 35 شاباً سيدفعون الثمن لسنين عدة، بسبب تعنت هذه الدولة بسياساتها العشوائية الظالمة للطبقة العاملة، ولحقوق مواطنيها.

التحريض ضد طرابلس

التهميش الذي تعانيه طرابلس ليس مجرد تجاهل سياسي واقتصادي كونها المدينة الاكثر فقراً ومعاناة، فقد تكرر وصم المدينة ومتظاهريها بالإرهاب وغالباً ما يتم التحريض على المحتجين فيها، وهذا أمر لم يتوقف منذ الاحتجاجات الأخيرة خصوصاًِ في إعلام ما يسمى بالممانعة وبعض الاعلام الذي يقول إنه يساند “الثورة”. تم تبني نظريات مؤامرة في تخريب الاحتجاجات، وسوق هذا الإعلام لها، على أن ما يحصل في طرابلس هو صراع الإخوة (سعد وبهاء الحريري)، فيما اعتبر قسم آخر أن ما حصل في المدينة مدفوع من المخابرات التركية بوصف طرابلس حاضنة سنية. هذه المقاربة كرسها أمين عام “حزب الله” حسن نصرالله في خطاباته التي كرر فيها التشكيك بالاحتجاجات واعتبارها مؤامرات تموّلها سفارات، وخصص جزءاً كبيراً من خطابه الأخير للتوجه إلى المتظاهرين الذين يقطعون الطرق بالتهديد. ودعا نصرالله الجيش إلى فتح الطرق، ولكن ليس بإطلاق النار قائلاً “أصلاً الجيش لم يطلق النار على متظاهرين، إلا علينا نحنا”.

هنا يبدو نصرلله وقد تجاهل ضحايا مثل عمر طيبة الذي قتل برصاص الجيش، وفواز السمان الذي قتل العام الماضي، إضافة إلى الكثير من الجرحى والمصابين منذ تحرّكات تشرين الأول/ أكتوبر 2019 إلى اليوم.

معركة موقوفي طرابلس تبدو مصيرية إن للمفرج عنهم أو المعتقلين، فكأنما السلطة تريد أن تجعل منهم عبرةً لمن انتفض.

المصدر: وكالات

تعليقات فيسبوك
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.