“سربرنيتسا”، شهادة مؤلمة من قائد في حرب البوسنة

0

أجرت وسائل حوارا مع القائد السابق في الجيش البوسني، ناظم خليلوفيتش، نقل فيه شهادات صادمة لفظائع شهدتها البلاد إبان الحرب (1992- 1995)، ولا سيما في مذبحة سربرنيتسا، التي حلت ذكراها السنوية الـ26، قبل أيام.

وخليلوفيتش إمام وخطيب في سراييفو، وكان قد تخرج من جامعة الأزهر في مصر قبل الحرب، لكنه التحق بالجيش وقاد ما عرف آنذاك بـ”اللواء الرابع الإسلامي”، وحائز على وسام “الزنبق الذهبي” للشجاعة.

وحذر خليلوفيتش في حديثه من موجة صراع جديدة في المنطقة، في ظل استمرار تنكّر المكونين الصربي والكرواتي للجرائم المرتكبة بحق المسلمين البوشناق، بل و”تمجيد” قادة الإبادة الجماعية.

وشدد القائد السابق، الملقب منذ الحرب بـ”المدرّس”، على استعداد البوشناق لمواجهة حرب جديدة، مؤكدا أنهم يتمتعون حاليا بوضع عسكري أفضل مما كانوا عليه عندما واجهوا قوة عسكرية كانت تصنف رابعة على مستوى أوروبا، ممثلة بجيش الاتحاد اليوغوسلافي.

وفي ما يأتي نص المقابلة:

نود أن نسألكم بداية عن ذكرى سربرنيتسا، وما هو حاضر في ذهنكم بشأنها، وما إذا كان الشعب البوسني قد بدأ بالنسيان أم إن الألم لا يزال حاضرا؟

 البوشناق لم ينسوا ويجب ألا ينسوا أبدا الإبادة الجماعية المروعة في سربرنيتسا (شرق البوسنة)، والتي تمثل تجسيدا لما حدث في جميع أنحاء البوسنة والهرسك.

حلت الذكرى هذا العام في ظل ظروف جائحة فيروس كورونا المستجد، ما يعني أن اللجنة المنظمة خفضت سقف الاستيعاب بوسائل النقل، ولكن هذا لم يكن بأي حال من الأحوال سببا لعدم قيام البوشناق وأصدقائنا من جميع أنحاء العالم بالتنظيم الذاتي والمشاركة في مسيرة السلام، وحضور مراسم دفن 19 شهيدا ممن تم التعرف عليهم العام الماضي.

هذا العام، كنت في المسيرة مع 50 من الإخوة والأخوات، بمن فيهم حفيدي يحيى البالغ من العمر 11 عاما، حيث قطعنا مسافة 110 كيلومترات في 3 أيام، على خطى إخواننا وأخواتنا الذين سعوا إلى الخلاص بعد احتلال سربرنيتسا في تموز/ يوليو 1995.

وأذكر في هذا السياق بالآية الثانية والثلاثين من سورة المائدة: “من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون”.

ووفقا للآية، ففي تموز/ يوليو 1995، قُتلت البشرية في سربرنيتسا، ليس مرة واحدة، بل 8372 مرة، وهو عدد من قتل من الأبرياء على يد الصرب، أمام ناظري ما يسمى بالعالم المتحضر، الذي كان عليه واجب حماية سكان ما يسمى منطقة سربرنيتسا الآمنة، وهذا هو السبب في أن مسؤولية المجتمع الدولي في ما يتعلق بالجرائم المرتكبة في سربرنيتسا وجيبا وغوراجدي لا جدال فيها.

سربرنيتسا وجيبا هما مكانان سُمح فيهما في تموز/ يوليو 1995 بطرد رجل منزوع السلاح وعاجز من منزله، وقتل رجل بريء لمجرد أنه مسلم، واغتصاب فتاة تبلغ من العمر تسع سنوات، وانتهاك كرامة امرأة بوشناقية أمام والديها وأقاربها وجيرانها والدوس على رضيع حديث الولادة من قبل متوحش.

لماذا ظلت صور الأقمار الصناعية لرجال راكعين في الحقول بالقرب من سربرنيتسا، بانتظار إطلاق النار عليهم، طي الكتمان لشهر كامل بعد المجازر؟ علما بأنه كان من الممكن إنقاذهم، لولا أن الأمم المتحدة، التي كان يفترض بها أن تحمي سكان “المناطق الآمنة” وفق ولايتها، قامت بنزع السلاح من المنطقة بعد صدور القرار!

لماذا لم يرد المجتمع الدولي عندما سجل محادثات قادة الصرب الذين قالوا “يجب حل 3500 علبة (باكيت) على الفور”!؟ لم تكن تلك علب غداء، بل المدنيين البوشناق، الذين كانوا مجرد رقم للمجرمين والمجتمع الدولي اللامبالي!

جميلة ديلاليتش من قرية دوبراك، بالقرب من سربرنيتسا، قُتل 32 من أفراد عائلتها المقربين على يد مجرمين صرب في المذبحة، ومن بينهم أبناؤها: سالكا وسوليو وصادق، فيما توفيت هي في 12 حزيران/ يونيو 2018.

تركت لنا الأم الفخورة جميلة واحدة من أكثر القصص إيلاما لما حدث في سربرنيتسا، والتي تشهد على فظاعة الإجرام، حيث روت أن امرأة أنجبت مولودا ذكرا أمامها، أثناء المذبحة، لكن جنديا صربيا أجبرها على وضعه أرضا قبل أن يدوس على رقبته حتى خرجت أمعاء الطفل.

لنتذكر أن طفلا حديث الولادة قُتل في سربرنيتسا في 11 تموز/ يوليو 1995 أمام والدته قبل أن تتمكن من إرضاعه أو حتى تسميته!

حرام على أولئك الذين يسامحون أو ينسون أن الصرب قتلوا في سبعة أيام فقط من تموز/ يوليو 1995، 8372 من البوشناق في سربرنيتسا، تاركين وراءهم عشرة آلاف يتيم، فقد بعضهم جميع أهاليهم: آباءهم وأمهاتهم وإخوانهم وأخواتهم وأعمامهم وعماتهم وأخوالهم وخالاتهم وأجدادهم وجداتهم!

كنتم من القادة في الحرب وعشتم تفاصيلها من البداية إلى النهاية. هل ترون أن البوسنة يمكن أن تعود إلى تلك المرحلة مجددا؟ وهل المسلمون مستعدون لمواجهة جديدة؟

الحمد لله الذي شرفني أن أكون من القادة الذين تحلوا بالشجاعة والقوة لقيادة اللواء الرابع الإسلامي العظيم في كونييتس (وسط البوسنة)، الذي استخدم طرق المناورة في القتال وشارك في عمليات كبيرة ومهمة.

لقد أصبت مرتين خلال الحرب، وآمل أن تكون تلك الجروح نورا لي يوم القيامة، وأتمنى إن شاء الله أن تحسب جميع أيام سنوات نضالنا الـ60 عبادة غير منقطعة، لي ولبقية عناصر الجيش والشرطة الخاصة بجمهورية البوسنة والهرسك، وبأن يشفع لنا شهداؤنا.

من المهم أن نلاحظ أن لدينا اليوم، نحن البوشناق، نوعا من (السيطرة على) القوات المسلحة، أي جيش البوسنة والهرسك، فيما لم يكن لدينا ذلك في بداية العدوان المسلح الأخير، إذ كان الجيش الشعبي اليوغوسلافي خاضعا لسيطرة الصرب.

نحن البوشناق كنا شعبا أعزل في بداية مقاومة العدوان المسلح عام 1992، أما اليوم، والحمد لله، فلدينا أسلحتنا وثكناتنا وجيشنا.

في بداية مقاومة العدوان المسلح عام 1992، كان أعداء وطننا مسلحين حتى أسنانهم وكانت تحت تصرفهم موارد مادية وتقنية كبيرة وقوى بشرية مدربة جيدا، ومع ذلك نجحنا في مقاومتهم بعون الله، وأطحنا بنظرية مناعة رابع أقوى جيش في أوروبا (يوغوسلافيا السابقة).

وأنا على يقين من أن وطننا كان من الممكن تحريره عسكريا بشكل كامل، إبان الحرب، لو لم يفرض المجتمع الدولي المنافق حظرا على واردات الأسلحة إلينا، وبالتالي قيد أيدينا. لقد قلبنا، بشجاعتنا، المعادلة والتفوق العسكري للعدو، بل وسلحنا أنفسنا من أعدائنا بالاستيلاء على أسلحتهم ونقلناها إلى مربع الدفاع عن الوطن وتحريره.

لسنا خائفين من أعدائنا ومستعدون لجولة ثانية دفاعا عن ديننا ووطننا وكل الشعوب التي تحب وطننا.

هل شهدتم شخصيا على مجازر ارتكبها الصرب بحق البوشناق إبان الحرب؟

المعتدون الصرب والكروات زرعوا الموت كل يوم، حيثما أتيحت لهم الفرصة. قصفوا واستهدفوا أهدافا مدنية واقتصادية، واستهدفوا كل ما يتحرك.

وهكذا، قُتل 500 من البوشناق في مدينة كونييتس البطولية (حيث كانت قيادة اللواء الرابع)، 60 بالمئة منهم من المدنيين. لقد اقترفوا  جرائم حرب، لم يُحاسب مرتكبوها بعد.

يواصل الصرب إنكار جرائمهم ووصف قادة الإبادة بأنهم أبطال. كيف يتفاعل البوشناق مع ذلك محليا وعلى الساحة الدولية؟

من الضروري أن يقر برلمان البوسنة والهرسك قانون حظر إنكار جرائم الحرب، والذي يتطلب مساعدة وضغطا من المؤسسات الدولية، وفي المقام الأول مكتب الممثل السامي، وإلا فإن المعتدين في وطننا سيستمرون في تمجيد مجرمي الحرب المدانين.

ما يقلقنا بشكل خاص هو حقيقة أنه لم يتم إحراز تقدم يذكر في إدانة جرائم الحرب من قبل السياسيين الصرب والكروات، ولكن أيضا من قبل الناس العاديين لدى المكونين، وهذا يمنحنا الحق بالإصرار على مقاضاة ومعاقبة مجرمي الحرب وتنظيم أنفسنا بشكل أفضل والاستعداد للمفاجآت المحتملة، بل هو واجب علينا.

في البوسنة والهرسك موطن البوشناق الطيبين والنبلاء، قتل جميع من قتل لمجرد أنهم مسلمون، وهكذا تجاوز السفاحون الجريمة المذكورة في الآية الثامنة من سورة البروج: “وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد”، إذ لم يفرق أعداء البوسنة والهرسك والبوشناق بين مؤمنين وملحدين، وأعضاء في حزب العمل الديمقراطي (بزعامة علي عزت بيغوفيتش آنذاك) والحركة ليوغوسلافيا (اشتراكيون بوشناق)، وبين من هم أقل أو أكثر التزاما بالدين والأخلاق، بل وشمل ذلك من ناسبهم وصاهرهم ومن أقسم بالولاء ليوغوسلافيا.

هؤلاء لن يقبلوا بنا مهما فعلنا ما دمنا مسلمين، وهذه حقيقة اختبرناها مرارا، والبعض لا يتعلم الدرس.

تحاول وسائل إعلام صربية وكرواتية، بشكل ملاحظ، إلصاق تهمة الإرهاب بالبوشناق. كيف تردون على ذلك؟ وهل تخشون من تحريك هذه التهمة في الغرب ضد المسلمين في البوسنة؟

تحاول وسائل الإعلام الصربية والكرواتية، بدعم من الساسة وأجهزة المخابرات، إلصاق تهمة الإرهاب بنا نحن البوشناق منذ سنوات، والترويج بأننا نشكل خطرا على الغرب، وبأن الصرب والكروات موجودون هنا للدفاع عن الغرب من الخطر الأخضر، وهو أمر غير صحيح على الإطلاق وعبثي.

نحن البوشناق شعب إنساني وحضاري، وظهرت عظمته خلال مقاومة العدوان المسلح، عندما احترمنا الأعراف الإسلامية والعالمية للحرب، حتى صار ذلك محل فخر واعتزاز لكل منا.

كيف تقرأون محاكمة بعض القادة المسلمين بجرائم حرب على غرار الصرب والكروات؟ هل بالفعل تم ارتكاب مجازر من جانب البوشناق؟ وهل من العدل مساواتها بجرائم الصرب والكروات؟

لسنوات، ظل مكتب المدعي العام للبوسنة والهرسك، الذي يتحكم به الصرب بشكل أساسي، يضطهد القادة البوسنيين، ويحاول المساواة بين قادة المكونات الثلاث من حيث الإجرام.

صحيح أن بعض أعضاء الجيش والشرطة الخاصة بجمهورية البوسنة والهرسك ارتكبوا جرائم حرب، ولكن لم يصدر أي أمر بهذا الشأن ولم تكن تلك سياسة رسمية لقيادتنا السياسية والقيادة العليا.

ذكّرنا رئيسنا الراحل علي عزت بيغوفيتش، قائدنا الأعلى، باستمرار، أننا ملزمون باحترام أعراف الحرب، وبأن مرتكبي الجرائم سيأتي ولا بد يوم يحاسبون فيه.

محاولات المساواة بين “الأطراف الثلاثة” بالجريمة تأتي داخليا في إطار محاولات التبرير من قبل المعتدي لما ارتكبه من جرائم، فيما تحاول أطراف دولية التنصل من خلال ذلك من مسؤولياتها واتخاذ الخطوات الواجب اتخاذها، و”إراحة ضمير” العالم من خلال القول إن الجميع ارتكبوا فظائع في البوسنة، وأخطر ما في ذلك أن يسعوا من خلال الدعاوى القضائية لتحميل التسلسل القيادي المسؤولية وصولا إلى علي عزت بيغوفيتش شخصيا.

يقول بعض البوسنيين إن الموافقة على “دايتون”، التي أنهت الحرب، كان خطأ. ما رأيكم بذلك بعد ربع قرن على الاتفاقية؟

لم تكن قيادتنا السياسية راغبة بتوقيع اتفاقية دايتون للسلام، بل كان ذلك نتاج قرار القوى الدولية، بقيادة الولايات المتحدة، في وقت استمر فيه الجيش والشرطة الخاصة لجمهورية البوسنة والهرسك بالتقدم على الأرض لتحرير عموم البلاد، مع قدرة عالية على مواجهة المعتدين على جميع مستويات الاستعداد القتالي، وخاصة في ما يتعلق بمسألة الروح المعنوية لجنودنا وشرطتنا.

وفي النهاية، قال رئيسنا الراحل علي عزت بيغوفيتش: “في هذا الوضع كما هو وفي هذا العالم كما هو، لا يمكن تحقيق سلام أفضل”، في إشارة إلى الضغوط والتهديدات الدولية.

اتفاقية دايتون مهمة لأنها أوقفت العدوان المسلح على وطننا وقتل الأبرياء، والإنسان حياته مقدسة من عند الله. كما أن الاتفاقية تتيح لنا الفرصة لتحسين الوضع في الوطن بكافة الوسائل المشروعة، ويتعهد المجتمع الدولي بتنفيذها. لذلك يمكننا القول إن بين أيدينا أشياء كثيرة بعون الله وإن حال وطننا ومستقبله بعد عون الله يعتمد على أنفسنا.

إنني على ثقة من صمود بلادنا رغم كل شيء، وهي قادرة على تجاوز الأزمات بفضل الله ورحمته، ووطننا بعون الله تحرسه أرواح شهدائنا وأمهاتهم اللواتي يغمرنه بدموعهن ودعائهن.

كيف ترون مستقبل البوسنة عموما في هذه المرحلة، وبشكل خاص في ما يتعلق بوضع اتفاقية دايتون وعودة المزيد من المهجّرين المسلمين إلى أراضيهم في جمهورية الصرب، بما في ذلك سربرنيتسا؟

وفقا للملحق السابع لاتفاقية دايتون للسلام، يُمنح جميع اللاجئين حق العودة إلى ديارهم التي كانوا فيها قبل الحرب.

قُتل عدد كبير من البوشناق، وتشرد الناجون حول العالم، وحصل اللاجئون على جنسيات دول أخرى دون أي مشاكل، فيما بدا محاولة من المجتمع الدولي لإضفاء الشرعية على التطهير العرقي في البوسنة والهرسك.

وعلى الرغم من الجرائم المروعة التي ارتُكبت ضد البوشناق في العدوان المسلح الأخير، ولكن أيضا في الحربين العالميتين، أظهر البوشناق رغبة كبيرة وعزما على العودة، والتي كانت للأسف بدون دعم كاف من المؤسسات الدولية، وصولا إلى ضعف الإقبال على العودة.

لم يسبق لأحد أن وضع خطة جادة لعودة اللاجئين إلى ديارهم، ولم يخططوا لحماية الناس. وظلوا مجرد أرقام مكتوبة على وثائق في أدراج المجتمع الدولي المقفلة.

وما يثير القلق بشكل خاص هو أن العودة الأضعف هي إلى جنوب شرق البوسنة والهرسك، مثل روغاتيتسا وفيشيغراد وفوتشا، وغيرها الكثير، حيث يعيش عائدون من 21 عاما بدون كهرباء ولا مياه ولا طرق معبدة وسبل تواصل، فيما تكمن أهمية تلك المنطقة في كونها توفر لنا امتدادا جغرافيا مع بوشناق السنجق (إقليم تقتسمه صربيا والجبل الأسود).

البوسنة والهرسك، إن شاء الله، ستكون قوية بقدر قوة البوشناق، وأرى البوسنة والهرسك كعضو في الناتو والاتحاد الأوروبي، وسنسعى إن شاء الله إلى تربية أبنائنا وتعليمهم وفق توصيات رئيسنا الراحل.

المصدر: وكالات

تعليقات فيسبوك
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.