تداعيات خطيرة لتآكل شواطئ مصر

0

حذّر عالم الفضاء المصري، عصام حجي، من خطورة ظاهرة تآكل الشواطئ في مصر على طول منطقة شمال الدلتا والساحل الشمالي.

وأكد في مقابلة خاصة أن “مصر دخلت حاليا في المرحلة الحرجة، الأمر الذي يُنذر بتداعيات شديدة الخطورة على البلاد في المستقبل، وخاصة تقلص المساحة الزراعية، وتآكل البنية التحتية، وغرق الكثير من المجتمعات العمرانية مع كل عاصفة شتوية، كما لوحظ في الأعوام الأخيرة بمدينة الإسكندرية”.

وقبل أيام، أصدر فريق دولي من العلماء والباحثين في جامعة كاليفورنيا الأمريكية، ووكالة ناسا، ومعهد علوم البحار في تونس، وبالتعاون مع جامعات فرنسية، دراسة جديدة في مجلة نيتشر (أبرز الدوريات العلمية في العالم) تكشف أن ما يقارب من نصف الشواطئ الرملية ومصبات الأنهار على ساحل شمال أفريقيا الممتد بين مصر وتونس، تعاني من خطر التآكل الشديد نتيجة النمو العمراني السريع، وإقامة السدود، ما أثّر سلبا على المياه الجوفية، وهدّد النشاط الزراعي في هذه المناطق، وتسبّب في زيادة معدلات الهجرة للخارج.

ولفت حجي إلى أن “مصر تحتاج لكي تواجه ظاهرة تآكل الشواطئ إلى ما بين 25 و125 مليون متر مكعب سنويا من الرمال لتوضع بالشواطئ، وهذا أمر مُكلف للغاية، وذلك بحسب دراسة قام بها باحثون في جامعة يابانية بالتعاون مع جامعة السويس، وقد نشرت نتائجها منذ نحو شهر”.

وأوضح حجي أنهم استندوا في دراستهم إلى صور الأقمار الاصطناعية، ونموذج رقمي يحاكي التغيرات الجيوفيزيائية الموجودة في السواحل الرملية الممتدة من مصر إلى ليبيا إلى تونس، وإنشاء خريطة مزدوجة (ICVI) للهشاشة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية، مثل زيادة عدد السكان، وطريقة استهلاك الموارد الطبيعية، والمساحات الزراعية، وذلك بالاعتماد على نظم المعلومات الجغرافية.

“استثمار على أمواج البحر”

وقال: “في دراستنا، وجدنا أن قرابة 47% من مساحة الشريط الساحلي مُهددة بالغمر بمياه البحر بسبب سوء التخطيط العمراني، وأن ذلك تسبّب في زيادة معدلات الهجرة من مصر ما بين عامي 2010 و2020 بنسبة تصل إلى 248%، وهي النسبة الأعلى في شمال أفريقيا”.

وأوضح أن “هناك نسبة وتناسبا بين أعداد السائحين القادمين لتلك المناطق -التي تُقام فيها المنتجعات السياحية الممتدة والمتلاصقة على مساحات شاسعة في مناطق ساحلية ذات توازن بيئي هش- وعدد المواطنين المهاجرين إلى خارج هذه الدول نتيجة عمليات تدمير الشواطئ، والتدهور الخطير للأراضي الزراعية في المناطق الساحلية”.

وتابع حجي: “ما نشهده حاليا في تلك المنتجعات المصرية هو استثمار على أمواج البحر؛ بل وحينما اكتمل الساحل الشمالي، وأصبح هناك جدار إسمنتي بطول 200 كم يدمر الشريط الساحلي، انتقل بناء هذه المنتجعات إلى منطقة العلمين المنخفضة والمُهددة بالغرق”.

ورأى أن “انتقال بناء المنتجعات إلى منطقة العلمين أمر غير منطقي ويفتقر للدراسات، فحسب الأبحاث المنشورة عن ارتفاع منسوب مياه البحر في القرن الحالي سيتعرض جزء هام من منطقة العلمين للغرق بالفعل، ما يجعلنا نتساءل عن وجود دراسات حول مدى استدامة هذه الاستثمارات من عدمه”.

“مصر حالة فريدة من نوعها”

وأكمل: “في مصر لدينا حالة فريدة من نوعها غير موجودة بأي مكان آخر في العالم، وهي الشريط الساحلي الممتد من مدينة الإسكندرية شرقا وحتى مدينة العلمين غربا بطول 200 كم تقريبا، وهذا الشريط بات عبارة عن كتلة إسمنتية مُكونة من العديد من القرى والمنتجعات السياحية المتراصة والمتلاصقة”.

تُشكّل هذه المنتجعات – وفقاً لـ”حجي” – “حائطا يمنع وصول الأتربة من اليابسة إلى البحر، وبالتالي فإنها تكون عمليات تآكل الشواطئ مرتفعة جدا، وهذه الصورة غير موجودة على الإطلاق سوى في المناطق الساحلية بشمال مصر”.

ونوّه إلى “عدم رغبة المستثمرين، الذين يقومون ببناء منتجعات سياحية على مساحات هائلة من الشريط الساحلي بمصر، في تطبيق المعايير الواجبة لتكون الأبنية مُحافظة على البيئة الفريدة للسواحل أو صديقة لها، لأن كل ما يهمهم فقط هو تحقيق أعلى معدلات المكاسب والأرباح، وهو ما نراه في التصاميم ذات التكلفة المنخفضة جدا لهذه القرى السياحية، ودون أي نظر للاعتبارات المستقبلية، وأثر هذه المناطق على تدمير الزراعة في المناطق المحيطة بها، ما يُسبّب دمارا بيئيا، وهجرة قد تكون واسعة من هذه المناطقة”.

وأضاف: “هذه المشكلة تتضح أيضا بشكل جلي في القرى السياحية المُقامة على سواحل البحر الأحمر، مثل مدينتي الجونة والجونة الجديدة، رغم صدور العديد من الدراسات التي تُحذر من خطورة بناء مثل هذه المنتجعات الكبيرة، لكن للأسف دائما ما يُضرب بهذه الدراسات عرض الحائط؛ لغياب -أو انعدام- الوعي البيئي”.

واستطرد قائلا: “للأسف هذه المنتجعات التي يتم تصوير أعمال فنية فيها تدعي الوطنية وحب مصر، هي نفسها تساهم في تدمير أجزاء مهمة من السواحل المصرية، والتي تُعدّ جزءا مهما من هويتنا وتاريخنا العريق”.

أعلى معدلات الهجرة بالمناطق الساحلية

ففي الحالة المصرية، أظهرت الدراسة -التي تعتمد أرقام البنك الدولي- أنه في مقابل كل سائح يأتي إلى مناطق مصر الساحلية يغادر مواطن إلى خارج البلاد، وخاصة من العاملين في القطاع الزراعي؛ نتيجة تدهور المساحة الزراعية، وتدهور الموارد المائية في المناطق الساحلية.

بينما في الحالة التونسية، هناك مقابل كل خمسة سائحين تقريبا يهاجر مواطن واحد من سكان الأراضي الزراعية الساحلية إلى خارج تونس خلال السنوات العشر الماضية.

وقال حجي إن “أكثر المناطق التي سجلت أعلى معدلات للهجرة هي المناطق التي حدث فيها نحر السواحل؛ نتيجة قوة وامتداد الخسائر البيئية؛ فالمواطن الذي يسكن تلك المناطق يضطر للهجرة أو يعاني أوضاعا صعبة وقاسية، فليس شرطا أن تكون أرضك الخاصة التي غمرتها المياه هي التي تجعلك تفكر في الهجرة، فقد يتضرر عملك في أحد مصانع الأغذية التي تعتمد على محاصيل زراعية تعرضت حقولها للغمر أو الجفاف نتيجة دخول المياه المالحة فيها، ما يؤدي في النهاية لإغلاق هذا المصنع، وتضطر حينئذ للبحث عن عمل في مكان آخر”.

وأكد حجي أن “الآثار ليست مرتبطة فقط بالفئة الأولى التي تتعرض مباشرة لهذه الأضرار، بل مرتبطة بفئة أكبر، وهي التي تعمل بالاقتصاد الخاص بالزراعة، بجانب الفئة التي تسكن هذه المناطق، والتي أصبح العيش فيها مُكلفا نتيجة الضرائب المفروضة لسد احتياجات عمل السدود الإسمنتية، ونقل الرمال للسواحل، ومعالجة الخسائر في البنية التحتية، وهذه عملية مُكلفة جدا للمحافظة على ما تبقى من تلك السواحل”.

وأشار عالم الفضاء المصري إلى خطورة “التدهور الساحلي الشديد بارتفاع نسبة ملوحة المياه الجوفية الساحلية، والتي تُخلّف أضرارا بالأمن الغذائي وبنوعية الحياة المحلية، ما يؤدي إلى زيادة معدلات الهجرة البشرية”.

ويشدّد حجي، مُستندا للدراسة التي قاموا بها، على أن “السياحة التي لا تحافظ على البيئة، والتي لا تحترم القوانين البيئية، والاستثمارات العقارية التي لا تراعي القوانين البيئية، من العوامل المهمة التي تؤدي لعمليات الهجرة، وخاصة الهجرة غير الشرعية من مصر ومناطق شمال أفريقيا”.

“التغير المناخي” بريء من تآكل الشواطئ المصرية

ونفى حجي صحة ما تردده السلطات المصرية حول أن تآكل الشواطئ، بعد دخول مياه البحر لليابس، يرجع إلى ظاهرة التغير المناخي، وارتفاع مياه المحيطات، حيث إن دراستهم أثبتت أن السبب الحقيقي حاليا في ذلك الأمر هو سوء التخطيط والتمدد العمراني الذي تعاني منه المنطقة الساحلية بالكامل منذ عقود، بالإضافة إلى بناء السدود على نهر النيل، وبعض الوديان التي تنزل بها الأمطار، والتي تأتي بالأتربة من داخل اليابسة إلى الشريط الساحلي.

وتشير تقارير عديدة إلى أن السد العالي له آثاره السلبية على البيئة، إذ إنه يساهم في تآكل وإغراق الدلتا، وإيقاف الطمي.

وكان عبدالفتاح السيسي قد قال، خلال شهر سبتمبر/أيلول 2020، في قمة التنوع البيولوجي بالجمعية العامة للأمم المتحدة، إن “ظاهرة تغير المناخ، وما تمثله من خطر وثيق الصلة علينا العيش في تناغم معها، وهو ما يمثل جوهر مقصدنا المشترك عبر الربط بين التنوع البيولوجي وتحقيق التنمية المستدامة”، مؤكدا أن بلاده تقوم بـ”تفعيل مبادئها من خلال دمج التنوع البيولوجي في قطاعات المحميات الطبيعية والسياحة البيئية، وكذلك في خططها التنموية لحماية تلك الموارد، وإيجاد المزيد من فرص العمل”، وفق قوله.

“العلم أولا”

ودعا عالم الفضاء المصري إلى “ضرورة الانتباه فورا لخطورة ظاهرة تآكل الشواطئ في مصر، والعمل على مواجهتها بشكل علمي، خاصة أنها قضية خطيرة للغاية تمس الأمن الغذائي المصري، وقد تساهم في تهديد الأمن القومي المصري بشكل أو بآخر في المستقبل”.

وقال: “القضية هي قضية عدم الإيمان بالعلم، كما حدث في التعامل مع جائحة كورونا التي ظلت السلطات المصرية تنفي وجودها لنحو 3 أشهر، حتى وصلت الأوضاع إلى ما هي عليه اليوم. هذا الأمر يتكرر تماما في قضية تآكل الشواطئ، وقضية الموارد المائية، فهناك نفي وتهميش وتكذيب للدراسات العلمية”.

وأضاف: “يبدو أنه لن تحدث إفاقة، إلا حينما تقع الفاجعة أو الكارثة لا قدر الله، وعندها سيكون الأمر محزنا للغاية، لأن مَن سيدفع الثمن في النهاية هم صغار المزارعين المصريين، ومحدودو الدخل والفقراء، وسيكون الطريق الوحيد للتعامل مع هذه الخسائر هو الهجرة الداخلية والخارجية، كما بدأ يحدث الآن في مصر، وقد يتزايد هذا الأمر بشكل مخيف في المستقبل”.

ويشير حجي إلى أن دراستهم تطرقت إلى “مخاطر الغرق التي تُهدد السواحل الرملية في مصر وليبيا وتونس، لأنها السواحل الأكثر خطورة من بين كل السواحل المطلة على البحر الأبيض المتوسط. في حين تتمتع سواحل الجزائر والمغرب بهطول الأمطار، وهو ما يساهم طبيعيا في مواجهة عملية نحر تلك السواحل، حيث إن هذه الأمطار تسقط على مرتفعات تحمل الأتربة إلى تلك الشواطئ، وبالتالي فإنه يتم تعويض النقص الذي يتسبب في عملية تآكل السواحل”.

واستطرد عالم الفضاء المصري، قائلا: “لكن على العكس، المنطقة من مصر إلى تونس قليلة الأمطار، ولا تستطيع هذه الأمطار الضعيفة تعويض عمليات النحر العالية؛ نتيجة بناء السدود التي تقوم بحجز عملية نقل الأتربة إلى الساحل، وأيضا وجود مجتمعات عمرانية بطول شريط الساحل، وهنا مكمن الخطر”.

وتقدم حجي بالشكر لمعهد علوم البحار في تونس الذي مثله في هذه الدراسة الباحثان علا العمروني ورؤوف حزامي، على توفير الإمكانيات لدراسة السواحل المصرية في لفتة قال إنها “تعكس مشاعر الأخوة العربية، والإيمان بأن ما يُهدد استقرار العالم العربي يتعدى المشاكل السياسية المشتركة إلى القضايا العلمية المشتركة”.

جدير بالذكر أن الدراسة التي قام بها الفريق الدولي من العلماء والباحثين تصدرت الموضوعات الأكثر قراءة في موقع مجلة نيتشر (أبرز الدوريات العلمية في العالم) على الإنترنت، حيث حظيت بنحو 40 ألف قراءة علمية في أقل من أسبوع عقب نشرها.

المصدر: وكالات

تعليقات فيسبوك
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.