بماذا تختلف طالبان عن القاعدة وتنظيم الدولة فكريا وتنظيميا؟

0

بعد سيطرة حركة طالبان مؤخرا على العاصمة الأفغانية كابل وسائر الولايات الأفغانية، باستثناء ولاية بجنشير، وصعود نجمها بشكل لافت، كثرت التوصيفات والتحليلات بخصوص نسقها الديني والفكري والحركي، المحدد لهويتها العقائدية والفقهية، والموجه لمسارها الجهادي، والمشكل لمنهجيتها وطريقتها في تطبيق الأحكام الشرعية، ومدى اقترابها أو ابتعادها في ذلك كله عن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وتنظيم القاعدة.

من المعروف أن حركة طالبان تنتمي في جذورها وأصولها الدينية إلى دار العلوم ديوبند في الهند، وهي مدرسة سنية عريقة، تعد أكبر وأقدم جامعة إسلامية أهلية في شبه القارة الهندية، أنشئت في 31 مايو 1867، بعدما قضى الإنجليز نهائيا على الحكم الإسلامي، تتبنى المذهب الماتريدي في العقيدة، والمذهب الحنفي في الفقه، وتنتهج التصوف سلوكا وتعبدا.

ووفقا لباحثين فإن حركة طالبان بانتمائها التام والواضح لمدرسة ديوبند، واتباعها لمنهجيتها الدينية عقائديا وفقهيا وتصوفا، تفارق السلفية بكافة ألوانها وتشكيلاتها، لأن الأخيرة تنظر إلى المذهب الماتريدي باعتباره مذهبا ضالا منحرفا عن منهج السلف في العقائد، كما أنها تقف موقفا رافضا لمسلك التصوف بطرقه المعروفة، وتعده مفسدا لصفاء الدين، ومذهبا لنقائه الذي كان عليه في العهد النبوي والقرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية، بما أدخله عليه من عقائد وممارسات مبتدعة وضالة.

كما أن رؤية حركة طالبان الجهادية تغاير رؤية تنظيم السلفية الجهادية، فبينما تقتصر جهادية طالبان على قتالها وجهادها للعدو المحتل لبلادهم، والقوات المحلية التابعة له، من غير أن يوجد لديها أي توجه لتوسيع دائرته خارج جغرافيا أفغانستان، تتبنى تنظيمات السلفية الجهادية، كتنظيم الدولة، وتنظيم القاعدة فكرة عولمة الجهاد، المتجاوزة لحدود جهاد العدو المحتل، لتشمل جغرافيا العالم بأسره.

وفي هذا الإطار أكد الداعية السلفي المغربي، حسن الكتاني أن “حركة طالبان تنتمي إلى جامعة ديوبند في شبه القارة الهندية، والتي امتدت مدارسها إلى باكستان وبنغلادش وأفغانستان، وغالب طلاب العلم من حركة طالبان تخرجوا من المدرسة الحقانية في باكستان، وهي مع تبنيها للمذهب الماتريدي في العقيدة، والمذهب الحنفي في الفقه، أخذت بقدر معتدل من التصوف، إضافة لاهتمامها بالحديث النبوي حفظا وتدريسا”.

وأردف: “وفي مقابل المدرسة الديوبندية هناك اتجاه آخر وهو (أهل الحديث) المرادف للسلفية في العالم العربي، وكلتا المدرستين تخرجتا من مدرسة العلامة الشاه ولي الله الدهلوي، وثمة اتجاه ثالث هو المدرسة البريلوية، وهم يعدون من غلاة الصوفية في جملة عقائدهم وممارساتهم، ولهم موقف مناوئ بشدة للديوبندية وأهل الحديث، ولا يتورعون عن تكفير وتضليل مخالفيهم من الاتجاهات الأخرى”.

ولفت الكتاني إلى أن حركة طالبان “لا تتبنى فكرة عولمة الجهاد كما هي عند تنظيمات السلفية الجهادية، وهي تحترم جميع المسلمين ومختلف الاتجاهات الإسلامية، وتأخذ الفقه بحذافيره من المذهب الحنفي، وتتقيد بأحكامه، ومن ذلك التزام الحركة بموالاة المسلمين، وعدم تسليمهم لأعداء الله، وهو ما جعل الملا محمد عمر يرفض طلب أمريكا تسليمها لزعيم القاعدة أسامة بن لادن، عملا بهذا الحكم الشرعي، مهما كانت النتائج حتى لو أدّت إلى زوال دولته، وانهيار حكمه، وهو ما حدث بالفعل”.

وتابع: “ومن المعروف أن تنظيمات السلفية الجهادية تستند بشكل مركزي في تقرير عقائدها ومنهجيتها إلى ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية، أما تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) فهو يرتكز في كثير من أدبياته وتقريراته العقدية والمنهجية إلى كتابات وتراث أئمة الدعوة النجدية، الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه وأتباعه، بشكل مبالغ فيه، وفي كثير من الأحيان تم تطبيقها بصورة معوجة، أما علاقة طالبان بالقاعدة فهي جيدة في تجربتها الأولى، أما علاقتها بداعش فثمة عداء شديد بينهما”.

من جهته قال الخبير في الحركات الإسلامية والجهادية، حسن أبو هنية: “ثمة فوارق أساسية وجوهرية بين رؤى كل من حركة طالبان وتنظيمات السلفية الجهادية بشأن الجهاد، إذ تتجسد رؤية الأولى بقتال العدو المحتل ومن يدور في فلكه من القوات المحلية، ما يعني حصر جهادها داخل أفغانستان، بينما تنطلق الثانية من فكرتها المركزية في عولمة الجهاد، والتي قادتها إلى إعداد وتنفيذ عدة عمليات تفجيرية حول العالم”.

وأضاف: “حركة طالبان تجمعها العصبية القبلية البشتونية بثوب ديني مذهبي تقليدي، واستحضار ظروف نشأتها يكشف عن أن ظهورها إنما كان نتيجة حالة الاضطراب والفوضى الناتجة عن عجز الأحزاب الجهادية عن إدارة أفغانستان بعد سقوط النظام الشيوعي هناك، وهي ابنة بيئتها القومية والدينية، وفرضت وجودها وقوتها بما تهيأ لها من أسباب وعوامل داخلية وإقليمية، وليس من أدبياتها أو أفكار مؤسسيها ورجالاتها توسيع دائرة الجهاد كما عند تنظيمات السلفية الجهادية”.

وتابع حديثه قائلا: “حركة طالبان أقرب ما تكون في قتالها للقوات الأمريكية وقوات التحالف إلى حركات التحرر الوطني، فهي تهدف وتسعى إلى تحرير وطنها من براثن الاحتلال، وهي تريد وفق تصريحات قادتها إقامة علاقات متوازنة مع دول الجوار، ومع سائر دول العالم، وهو ما كان يقوله مؤسسها الأول، الملا محمد عمر، فهي نتاج هذا المكون القبلي والديني، تتطلع إلى تحرير وطنها من قبضة الاحتلال، وتطبيق الشريعة وتنفيذ أحكامها”.

ولاحظ أبو هنية أن حركة طالبان خلال تجربتها الأولى لم يُسجل عليها – بحسب علمه واطلاعه – في إدارتها لشؤون البلاد، وتعاملها مع مكونات الشعب المختلفة إقامة حد الردة على المخالفين لنهجها وتوجهاتها، على عكس بعض تنظيمات السلفية الجهادية – كتنظيم الدولة مثلا – الذي عُرف باستناده إلى حكم الردة في قتل المخالفين له وتصفيتهم بناء على رؤيته وطريقة تنفيذه لتلك الأحكام”.

وأشار إلى أن “مواصلة الحركة لمسيرتها الجهادية، بثبات ورباطة جأش، إنما يدل على تماسكها الداخلي الشديد، ويعكس نجاح قيادتها في إدارة شؤون الحركة، والمحافظة على وجودها وحضورها، رغم كل الصعوبات والتحديات والتضحيات، وهو ما أفشل كل المخططات الأمريكية الرامية إلى تفكيك الحركة بإثارة النزاعات والانشقاقات داخل صفوفها، ما مكنها اليوم من قطف ثمار جهادها وتضحياتها وثباتها”.

وباستحضار جملة الفروقات بين حركة طالبان وتنظيمات السلفية الجهادية المختلفة، تظهر وفق أبو هنية وجوه الخلط والخلل في كثير من التوصيفات والتحليلات المتداولة هذه الأيام، والتي لا تفرق بين الحركة وتلك التنظيمات، وتسوي بينها سواء من حيث الأصول الدينية الحاكمة، مع ظهور أوجه الاختلاف والتباين بينهما للباحثين، أو من حيث المنهجية الجهادية المحددة للمسار الجهادي لكل منهما، من غير تفريق بين جهاد محلي يستهدف العدو المحتل، وبين جهاد معولم عابر للقارات والحدود.

المصدر: وكالات

تعليقات فيسبوك
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.