انتفاضة أطباء في مصر، ومخاوف على النظام الصحي

0
دخلت المواجهة المفتوحة بين الأطباء المصريين والحكومة ممثلةً بوزارة الصحة، مرحلةً جديدة من التصعيد، بما يهدد النظام الصحي بالانهيار بشكل كامل. فبعد تعدد الاستقالات الفردية احتجاجاً على إهمال الوزارة للمستشفيات والأطباء، وعدم تمكين هؤلاء من أداء عملهم في مواجهة جائحة كورونا، في وقت تنفق فيه الدولة مليارات الجنيهات بصورة معلنة على قطاعات أخرى أقل أهمية في الوقت الراهن، أطلق الأطباء بمستشفى المنيرة العام مبادرة استقالة جماعية، هي الأولى من نوعها في تاريخ وزارة الصحة المصرية. وتأتي الخطوة احتجاجاً على ما وصفه الأطباء بإهمال وتقاعس الوزارة عن إنقاذ الجسم الطبي، خصوصاً الشبان منهم، وعدم توفير الحماية لهم، وعدم الإسراع في نقلهم لتلقي العلاج حال انتقال العدوى إليهم.

واشتعلت الأوضاع في القطاع الصحي المصري، بعد وفاة خمسة أطباء متأثرين بإصابتهم بفيروس كورونا خلال 48 ساعة، أحدهم هو الطبيب الشاب وليد يحيى بمستشفى المنيرة العام، وهو أخصائي مقيم للنساء والتوليد. وعبّرت قصة إصابة يحيى ووفاته، عن تراخي الوزارة وتعقيداتها الإدارية، التي تمنع إجراء التحاليل المبكرة لاستكشاف الحالات بين الأطباء المخالطين للحالات المصابة، وكذلك الأطباء المعالجين بصفة دورية.

وعندما شعر الطبيب بالأعراض، لم يتم أخذ المسحة لتحليلها إلا بعد يوم من حجزه، وظهرت بعد يومين آخرين، ما استهلك مزيداً من الوقت، ليصل إلى مستشفى عزل تابعة للتأمين الصحي وهو في حالة سيئة، وليتوفى بعد أقل من يومين. ووضع موت يحيى تصميماً طبياً على إنهاء سلسلة من الأخطاء التي يرتكبها النظام الحاكم في حقّ الأطباء وأفراد الطواقم الطبية بشكل يومي، ولتبدأ موجة واسعة من الاحتجاجات على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً بعد إصدار نقابة الأطباء – وهي الجهة الوحيدة حالياً في مصر التي تجهر بمعارضة سياسات الدولة في إدارة أزمة كورونا – بياناً حمّلت فيه الجهات التنفيذية والتشريعية والرقابية مسؤولية تعامل وزارة الصحة مع الأطباء، وبالتبعية وفاة 19 من هؤلاء بسبب كورونا، وإصابة 350 آخرين.كما أظهرت القصة أوجه القصور التي تشوب تعامل الدولة مع الأطباء كافة. ففي البداية، تمّ تكليف يحيى، وهو غير المدرب على التعامل مع حالات اشتباه كورونا، وليس متخصصاً في أمراض الصدر أو الحميات، برعاية حالات الاشتباه الواردة إلى المستشفى للفرز والإحالة، ما سهّل إصابته بالعدوى. ومن ناحية أخرى، وقع الطبيب فريسةً لقرار فتح 320 مستشفى على مستوى الجمهورية لاستقبال حالات الاشتباه، لتخفيف الضغط على مستشفيات الصدر والحميات، وتمهيداً لتحويلها لإيواء حالات العزل. ولم توفر الوزارة على الإطلاق الاحتياجات اللوجيستية الضرورية لجميع المستشفيات، من الواقيات الشخصية وأجهزة التنفس الصناعي، إلى جانب سماحها بإقامة عددٍ من المصابين أو المشتبه في إصابتهم في مكان واحد، لقلة الأماكن الخاصة المتاحة في كل المستشفيات العامة.

وبرهنت حالات الوفاة الأخيرة بين الأطباء، على صحة تخوفاتهم ومنطقية اعتراضاتهم على قرار الوزارة الصادر مطلع شهر مايو/أيار الحالي، بعدم إجراء التحاليل لهم إلا بعد الرجوع للجان مركزية على مستوى الإدارات الصحية، بحجة أن بعض الأطباء استغلوا الأزمة لإجراء تحاليل لأنفسهم بصفة دورية للاطمئنان على صحتهم.

وما زالت هذه التعليمات تسبب قلقاً شديداً للدولة من ردّ فعل الأطباء، خصوصاً في مستشفيات العزل العاملة حتى الآن، نظراً لتهديد الأطباء بها، بعدم العمل في حالة منعهم من إجراء التحاليل قبل مغادرتهم للمستشفيات إلى منازلهم. ويأتي ذلك فيما تواجه خطة الوزارة لتغيير نظام مستشفيات العزل وإحلال مستشفيات الصدر والحميات بدلاً منها، عقبات غير محدودة بسبب ضعف التمويل، الذي هو أيضاً بيت القصيد في أزمة محدودية عدد التحاليل المتاح إجراؤها في معامل وزارة الصحة، وكذلك عدم وجود أماكن مناسبة لعيادة المرضى في المستشفيات العامة المختصة بالفرز والإحالة.

لكن ما أشعل الغضب في نفوس الأطباء بصورة أكبر، المقارنة بين ما يحدث مع أفراد الطواقم الطبية المصابين بشكل خاص، والمرضى بشكل عام، وبين تعامل وزارة الصحة مع الفنانة الشهيرة رجاء الجداوي البالغة من العمر 81 عاماً، والتي تم أخذ المسحة منها والتحليل لها وظهور النتيجة ونقلت لمستشفى العزل بالإسماعيلية، في يوم واحد فقط، بسرعة فاقت التعامل مع النائبة البرلمانية شيرين فراج، وكذلك المحافظين ومساعديهم المصابين. وكشفت تصريحات إعلامية لابنة الجداوي المعاملة المتميزة التي قدمت لها من وزيرة الصحة هالة زايد شخصياً، في وقت تفرط فيه الوزارة بسهولة في أبنائها الشباب.

وفي محاولة لامتصاص غضب الأطباء المستعر على صفحات التواصل الاجتماعي، أعلنت وزيرة الصحة أمس الإثنين تقدير الدولة لتضحيات الأطباء، وتخصيص منظومة خاصة بتلقي البلاغات بحالات الاشتباه في الطواقم الطبية، كما تبحث الوزارة حالياً تخصيص مستشفى أو أكثر للمصابين من الأطباء والممرضين لتسهيل تحويل المصابين إلى العزل سريعا. لكن هذه المحاولة سرعان ما تلاشى أثرها لخلوها من أي خطة لدعم المسستشفيات بالأدوات والمستلزمات الوقائية، وهو ما برّره مصدرٌ مسؤول في الوزارة بضعف التمويل المخصص للقطاع الصحي ولإدارة الأزمة بشكل عام.

وتقترب حالات الإصابة بكورونا في مصر من 18 ألفا بعد أيام عدة من الزيادة المستمرة بتسجيل أكثر من 720 حالة يومياً، مع انخفاض معدلات الوفاة إلى 4.5 في المائة، وزيادة نسبة التعافي أيضاً إلى نحو 29 في المائة.وكشف المصدر عن وجود حالة من عدم الارتياح بين الرئاسة ووزيرة الصحة ومساعديها في الفترة الحالية، بعدما تمّ تحميلهم أكثر من مرة مسؤولية عدم القدرة على السيطرة على الأطباء وإخماد نزعاتهم المعارضة لسياسات الدولة. هذا الامتعاض بلغ حدّ منعهم من الظهور الإعلامي، وكذلك منع الوزيرة من تقديم الإحصائيات الخاصة بالانتشار الوبائي في مصر حالياً أمام السيسي في مؤتمر عقده يوم الخميس الماضي، وإيكال المهمة لوزير التعليم طارق شوقي بدلاً منها، فضلاً عن تأخر اعتماد الخطة التي أعدتها الوزارة للتعايش مع الوباء.

وسبق أن تجاهلت الحكومة مناشدة العديد من الجهات تشديد الحظر، ومددت تطبيق إجراءاتها المخففة منذ بداية شهر رمضان قيود التدابير الاحترازية وحظر التجول إلى نهاية شهر رمضان، ليستمر التجوال من التاسعة مساء وحتى السادسة صباحا، بعدما كان يبدأ في الثامنة مساء. كما أعادت الحكومة تشغيل المحال التجارية والحرفية والمراكز التجارية (المولات) يومي الجمعة والسبت، وتشغيل الخدمات الحكومية تدريجياً بعودة عمل بعض المصالح جزئياً، كالشهر العقاري والمحاكم والمرور.

وأعلنت الحكومة تشديد الإجراءات فقط في الأسبوع الحالي بمناسبة عيد الفطر، حيث يتم حظر التجوال من الخامسة مساء وحتى السادسة صباحاً، ووقف المواصلات الجماعية، وغلق المحال التجارية والشواطئ والمولات والمتنزهات والحدائق، على أن تعود الإجراءات مخففة من يوم 30 مايو/أيار، ولمدة أسبوعين آخرين.

المصدر: وكالات

تعليقات فيسبوك
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.