القاهرة تختنق: “الكباري” وأحزمة الإسمنت تحاصرها

0

لن يخطر في بال زائر القاهرة أن سياج جسر أو “كوبري”، قد يلاصق شرفة أحد المنازل. ومن يطمح للتجوال في القاهرة الساهرة، واستكشاف أماكنها التاريخية والتراثية المتفردة، والتقاط الصور الفوتوغرافية للطبيعة النادرة، والأشجار المعمرة، سيفاجئه تهديم عدد من المناطق الأثرية والشعبية التي اشتهرت بها العاصمة المصرية.

يصف الدكتور جمال حمدان في كتابه “القاهرة” بأنها “تاريخ مفعم، مجمد أو محفوظ، كل حجر في بناياتها مشبع بعبق الماضي وعرقه، وكل شبر منها يحمل بصمات الإنسان”. يشبه القاهرة بـ”بيت جماعي كبير، ومنطقة مبنية لا مثيل لكتلتها، فهي لم تنشأ أو تزدهر كمجرد نبت شيطاني، أو غراب طفيلي، أو بمجرد قرار بيروقراطي، إنما هي المحصلة لآلاف السنين من التجربة والخطأ، النجاح والفشل، نتيجة لعملية انتخاب جغرافي وجيوبوليتيكي قاسية ومفعمة طولها 500 سنة، في الخلاصة الصافية لكل تاريخ مصر العتيد وجغرافيتها المقطرة المرشحة”.

الحقيقة هي أن ما يحدث في القاهرة الآن لا يمكن وصفه بالخطأ بل بالكارثة التي تطمس هوية العاصمة العريقة.

حلول غير ناجعة

في أيار/ مايو 2020 أعلن وزير النقل المهندس كامل الوزير، خلال افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي مشروع بشائر الخير في الإسكندرية، أنه نُفذ 600 “كوبري” ونفق بتكلفة 85 مليار جنيه مصري، و325 “كوبري” ونفقاً يتم تنفيذها على الطرق الرئيسية، ومحاور النيل ومزلقانات السكة الحديد.

وخلال افتتاح المرحلة الرابعة من الخط الثالث لمترو الأنفاق،  آب/ أغسطس 2020، صرّح وزير النقل المصري، بأن الوزارة بصدد تنفيذ مخطط لتشييد 1000 جسر علوي ونفق، بتكلفة 130 مليار جنيه، إضافة إلى جسور داخلية بالقرى المصرية بتكلفة 36.7 مليار جنيه مصري، لتسهيل حركة المواطنين وتفعيل التجارة بين المحافظات.

كان من بين المحاور المرورية، الجسور التي يتم تنفيذها، في محافظة الجيزة “ترعة الزمر”، تسبب في اعتراضات واسعة من المواطنين خلال أيار 2020، لتضرر المقيمين من العمارات، إذ تلاصق شرف الشقق السكنية جدار الجسر وسياجه، إذ تبلغ مساحة الشارع 40 متراً، بينما مساحة الجسر تتراوح من 30 إلى 33 متراً بالعرض.

وتعد الواقعة الأشهر هي الصورة التي لاقت سخرية على نطاق عالمي في أيار 2020 لـ”محور الملك سلمان” الذي يتم إنشاؤه في منطقة “ترعة الزمر” في الهرم في محافظة الجيزة في مصر، والذي يفصل بينه وبين البنايات المحيطة به 50 سنتيمتراً فقط.

غضب المواطنين، استدعى تدخل وزير النقل كامل الوزير، الذي شدد في مقابلة تلفزيونية على أهمية المحور الذي يبلغ طوله 8 كيلومترات، كونه يربط بين جنوب الجيزة وشمالها. كما أكد على أنه لا مساس بالعقارات الملتزمة بخط التنظيم، ومن يتضرر فسيُخلي وحدته السكنية ليُعوض بأخرى، من قبل لجنة مشكلة من رئاسة الوزراء.  وقال: “المحور كان لازم يشيد بالعرض ده، ورأيي الشخصي اللي عايز ياخد شقة ويغادر أو يستمر أهلاً وسهلاً، لكن لازم الكوبري يتبني وما ينفعش مساحته تقل عن كدا، ولما يؤثر على كذا بيت ولا لما يستفاد قرابة المليون راكب يومياً؟ سواء كانت البيوت دي شرعية أو غير شرعية، ولو عاوزين نخطط صح لبلدنا، أنا آسف محدش يزعل مني، أنا مش هانظر لعمارات، وأهمل مصلحة محافظة بحالها”.

حلول كارثية

يرجع المعماري محمد صبري نجم هذه الإشكالية، إلى أن الحكومات المصرية المتعاقبة، لم تخطط لهذه الشوارع منذ البداية، بخاصة أنها متسعة بشكل كاف، ولا تنتبه إلا بعد حدوث كارثة، فتلجأ لحلول موقتة أشبه بالدعامات، لتضع في أجندتها إنجازاً، من دون حل ناجز للأزمة، أو تخطيط ناجع مسبق. المثل الأبرز في هذا السياق محور “ترعة الزمر” حيث تلاصق الجسر مع شرفات المنازل. مثل هذه الأخطاء الكارثية كان يمكن تفاديها بخاصة عبر التخطيط المعماري للمنطقة كلها.

لكن إهمال التخطيط ومع مرور الزمن وتزايد عدد السكان جعل المنطقة تعيش اختناقاً، “تعالج الحكومة الأخطاء السابقة بأخطاء جديدة، فالفترة التي أمضتها حكومة مبارك في تشييد الجسور، لتخفيف الاختناقات المرورية، خلق شوارع تعلوها شوارع، وجسر يعلوه آخر للهروب من الزحمة، وكلها مسكنات، مجرد دعامات، لكنني أعذر الحكومة، لاحتياجها لموارد ضخمة، بجانب الاصطدام بنزعات ومشكلات مع المواطنين، لكن لا أنكر الجهد المبذول، لكن أتمنى أن تكون الأولويات واضحة، وبحوار مجتمعي مع المواطنين، وإتاحة المعلومات للخطط المستقبلية، بخاصة أن أموالاً ضخمة أنفقت على المدن العمرانية الجديدة وتطوير أماكن ساحلية وهي بعيدة كلية عن المدن التي تعاني من أزمات في البنية التحتية”.

المصدر: وكالات

تعليقات فيسبوك
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.