الفتح الإسلامي لليبيا

0

هذا البحث هو تكملة للأبحاث السابقة التي تسرد التاريخ الليبي منذ العهد الروماني وحتى سقوط الدولة العثمانية، وقد أسلفت في بحثين سابقين الحديث عن العهد الروماني وعن العهد البيزنطي، ثم في هذا البحث سأبدأ بالكلام عن العهد الإسلامي في ليبيا، بدايةً من الفتح الإسلامي لليبيا، وحتى سقوط الدولة العثمانية، مرورًا بالدول الإسلامية التي تعاقبت على حكم ليبيا، إلا أنه لطول الأحداث التي كانت في هذه الحقبة، فقد جعلتها حلقاتٍ، خصّصت كلّ واحدة لحقبة مستقلّة.

في أواخر العهد البيزنطي في ليبيا، شهدنا ضعفا كبيرا في النفوذ البيزنطي فيها، وتململا واضحا من قبل القبائل الليبية الكبرى تجاه البيزنطيين وسياساتهم، ترافق هذا مع وصول الفاتحين المسلمين إلى مصر وبناء دولة إسلامية تخضع لدولة المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.

في العام 642 ميلادي تم فتح ليبيا من قبل الجيش الإسلامي بقيادة الصحابي عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، وقد خضعت ليبيا بالتعاقب لثلاث حقبات إسلامية، الحقبة الأموية، والحقبة العباسية، والحقبة العثمانية، وسأتكلم عن تاريخ كل دولة منها في ليبيا، وأبرز الإنجازات الحضارية الليبية في تلك الحقبات، لكن هذا البحث مخصّصٌ للكلام عن الفتح الإسلامي لليبيا، وكيف دخل الإسلام إليها.

تخضع المجتمعات البشرية لما يُعرف بـ “سنّة تعاقب الحضارات”، أي القانون العام الذي يحكم تعاقب الحضارت وتسيّدها على بقع جغرافية معيّنة، فقد نرى مساحة جغرافية معينة، كالجغرافيا الليبية، قد تعاقبت عليها حضاراتٌ مختلفةٌ خلال تاريخها القديم والحدث، كالحضارة الرومانية، والبيزنطية، والإسلامية…لكن هذا التعاقب محكومٌ بقانون مطرّد يبيّنه الاستقراء العام للتبدّل الحضاري الذي شهده التاريخ البشري.

في لحظة تاريخية معينة، تشهد الحضارات العظمى حالات من الترهّل والصراعات الداخلية التي تعصف بها نتيجة ظروفٍ عدّةٍ، لا مجال لذكرها الآن، تتوافق هذه الظروف السيئة مع فترة صعود حضارةٍ جديدةٍ، فتيّةٍ، طموحةٍ باندفاع قويٍّ لتحقيق طموحها، فيؤدي هذا التوافق إلى قيام الحضارة الفتية باستغلال الظروف الداخلية للحضارة المترهلة للقضاء عليها، ولوراثة مكتسباتها وإدخالها تحت سيطرتها، والحالة الليبية ليست استثناءً من هذه القاعدة.

       أهمية الموقع الليبي الجغرافي:

هذه الفقرة ليست لبيان الأهمية الجغرافية الليبية بشكلٍ بحت، فهذا مما يمكن الاطلاع عليه في أي مرجع جغرافي، وهذا البحث ليس مخصصا لذلك، بل المقصود بيان أهمية الموقع الجغرافي الليبي وأثره السياسي في الوضع العام في تلك الحقبة، فليبيا تمتلك مساحاتٍ شاسعةٍ ساعدت المقاومين الليبيين الذين تمردوا على المحتلين عبر التاريخ، فالليبيون مشهورون بشهامتهم التي تأبى عليهم أن يخضعوا لأي محتلٍ خارجي، والتاريخ يتكلم عن بطولاتٍ سطرها هذا الشعب، وتضحياتٍ عظيمة جعلت أي محتلّ لليبيا يعيش في أرق مستمر، ولا يستقر له بالٌ في تلك الأرض، باستثناء الفتح الإسلامي لليبيا، فالشعب الليبي لم يتعامل مع الفتح الإسلامي كمحتلٍ أجنبي، بل حمل الليبيون الإسلام منذ البداية، وتحولوا إلى جزءٍ أساسي منه، ينصرونه ويدافعون عنه.

أيضا، فإن الجغرافيا الليبية الشاسعة، وساحلها الممتد لمسافةٍ طويلةٍ على البحر المتوسط، وموقعها كبوابةٍ للمغرب العربي، جعل من ليبيا، إلى جانب مصر، دولة مركزية في الشمال الإفريقي، ومحط نظر أي حضارةٍ تبغي السيطرة على ملاحة البحر المتوسط.

       الفتح الإسلامي لليبيا:

       من الجدير بالذكر أن الفتح الإسلامي لليبيا بدأ في القرن السابع الميلادي، إلا أنه لم يكتمل إلا في القرن الثامن الميلادي، وقد كان معظم سكان ليبيا من البربر الذين انقسموا إلى قسمين: قسم من الحضر دخلوا في الإسلام مباشرة دون تأخر، وقسمٌ بدويٌّ لم يسلّم للإسلام نهائيا حتى القرن الحادي عشر الميلادي.

ضعفت الدولة البيزنطية آخر أيامها في ليبيا، وشهدت الأراضي الليبية قلقلات وصداماتٍ بين القبائل الليبية والمحتل البيزنطي، كلّ ذلك أدى إلى حالة من اللا استقرار عصفت بالأراضي الليبية، وخلقت جوا مشحونا بين أهل الأرض والغزاة.

في هذه الفترة كان الجيش الإسلامي بقيادة الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه قد وصل إلى مصر وفتح الإسكندرية، فخرجت مجموعة من المتمرّدين الليبيين إلى مصر طلبًا لنصرة الجيش الإسلامي، مما دفع ابن العاص إلى محاولة تأمين حدود مصر الغربية المتاخمة للنفوذ البيزنطي، نظرًا لما تشهده تلك الحدود من قلاقل، فقام بإرسال القائد عقبة بن نافع عام 22 هجرية لفتح المغرب العربي.

صالح القائد الإسلامي، عقبة بن نافع رضي الله عنه، أهل زويلة، ففتح مدينتهم صلحا في نفس العام الذي سار فيه عمرو بن العاص لفتح مدينة برقة التي كانت فيها بطونٌ من قبائل زواغة ولتوانة، والتي كانت على خصومة كبيرة مع البيزنطيين بسبب ظلمهم وتسلطهم عليهم، فصالحوا عمرو بن العاص على دفع الجزية، تماما كما حصل مع أجدابيا التي صالحت عمرو بن العاص أيضا على دفع الجزية، إلا أن معظمهم دخل في الإسلام لما رأوه من عدلٍ فيه.

على إثر هذا التقدّم الإسلامي في ليبيا، وضع الصحابي عمرو بن العاص رضي الله عنه نصب عينيه فتح طرابلس، إلا أن المدينة كانت شديدة التحصين من كل جوانبها، خلا جانبها الشمالي الذي كان مفتوحا على البحر المتوسط. وبعد رباط امتد لمدة شهر، كان ابن العاص يرسل خلاله الطلائع الإسلامية للبحث عن ثغرة يلجون منها إلى المدينة، استطاعت إحدى الفصائل الإسلامية أن تجد ثغرة في الحدود الشمالية لمدينة طرابلس، من جهة البحر، فدخلوها ولاقوا مواجهة ضعيفة من البيزنطيين وبعض الليبيين الذين قاتلوا معهم، ثم سيطروا عليها وفتحوها، ليخرج منها القليل من الليبيين مع البيزنطيين، وليبقى الليبيون فيها تحت حكم وحماية المسلمين.

بعد فتح طرابلس، اتّجهت أنظار عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى صبراتة، فأرسل إليها جيشًا بقيادة عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، فقام بفتح المدينة وإدخالها تحت حكم الإسلام. ويُذكر أن أهل صبراتة استبعدوا إمكانية هجوم جيش المسلمين على صبراتة، حيث ظنوا أن فتح طرابلس قد استنفذ قدرة الجيش الإسلامي الذي لم يعد قادرا على التوجّه نحوهم، فكانوا يفتحون بوابات مدينتهم ويُخرجون مواشيهم للرعي، بسبب تأكّدهم من عدم قدرة الجيش الإسلامي على غزوهم، فاستغل ابن الزبير هذا الأمر، وأغار عليهم، وفتح مدينتهم، وأدخلها تحت حكم الإسلام.

وهكذا تمّ الفتح الإسلامي، ودخلت ليبيا تحت الحكم الإسلامي، وبقيت تحت ظلّه حتى سقوط الدولة العثمانية، وانتقال ليبيا إلى حقبة الاستعمار الليبي.

المصدر: مؤسسة طرابلس الغرب للدراسات

Front page

تعليقات فيسبوك
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.