الدهشة والإيقاع في القصة الحديثة

0

منذ أن دخلنا عالم الكتابة ونحن نبحث عن إيقاعية معينة تقنعنا بمدى انسجام الحدث مع الشخصيات ومع أسئلتنا حول واقعية ما نكتبهُ، والواقعية هنا لا تعني هل حدث فعلاً، أو هل من الممكن أن يحدث، بل إلى أي حد يمكن أن لا يحدث أبداً، هنا يبدأ التناغم بالصوت، هذا النداء المتبادل الذي هو في الحقيقة لشخص واحد لكننا نظنهُ بين شخصين يكون الكاتب فيهما المنادي والمجيب، وهذا التنقل المبدئي يتكون بين حدث وآخر بدون أن تنكسر الموسيقى في تداخل لحظتين..
فإذن تحدي الكاتب الدائم يولد من الوحدة، وحدة الشكل مع المضمون، ومحاولات متكررة لرسام ضرير يحدد عالمه بإطار كامل بدون أن تهرب منهُ فاصلةٌ واحدة.
القصة كفن أدبي تبدأ من الدهشة، فمن خلالها تتشكل سردية الكاتب، فالكاتب يصف أدق التفاصيل لنرى الأشياء وهي تتقاطع وتتداخل بدون أن تتعرى من حادثة الشخصيات الأولى، من موت وحياة ونجاة وضجر، فالكاتب هو الذي يبني هذا العالم ويرتبه مراعياً في نصه العتبة الحسية التي سوف تأخذ القارئ من يده، ليكتشف حاسة جديدة في داخله، فإذن الدهشة المقصودة في القصة ليست حدثاً عرضياً بقدر ما هي مرآة تسير بقرب الكاتب لتعكس صوراً لم ننتبه لها من قبل، وليست نتيجة للقصة فموت البطل في النهاية ليس دهشة بقدر ما هو خبر أو نتيجة، فالدهشة هي انتقال اللحظة الوصفية إلى لحظة الكاتب الحقيقية باستخدام اللغة التي لا تتوسل للأحداث، بل تخلقها من تلقاء نفسها، ولا تتشابك في أصوات الشخصيات بل تبقى واضحة بتنقلها من شخصية لأخرى.
ولا يمكن أن يهدأ الإيقاع الذي يتبلور مع الكلمة واللغة التي تنحت نفسها دائماً لتشكل الجملة الواضحة، والدهشة التي تنتقل بأقدام ثابتة بدون انقطــــاع بين حدث وآخر.. ولكن لا بد من هدوء بسيط في سردية الكاتب لكي تظهر اللحظة التأملية للعمل، وهذا الهدوء لا ينشأ من سقوط حر ومفاجئ بين كلمتين، ليتفاجَأ بهِ القارئ بقدر ما هو انقلاب أو انفصام ضمني في شخصية الكتابة أو النص، لكي يتوجه الكاتب إلى التأمل التجريدي في العمل، اللحظة التأملية أو التأمل التجريدي في العمل القصصي هو الأبعاد الشاعرية التي تظهر في لغة النص عن طريق استخدام تشابيه وكنايات تخدم الأفكار ولا تخرج عن نطاق السرد، وهنا كثيراً ما يجب التمييز بين الشاعرية الجميلة التي يجب أن تحذف من النص لأنها لا تخدمه، والشاعرية التي تخدم الفكرة وتقدم التشبيه المناسب للغة السردية والحالة الموجودة بالنص، أو ما يعرف بنظرية أقتل أحباءك، والأحباء في العمل القصصي هم التشابيه والصور المستخدمة بطريقة جميلة، ولكنها لا تخدم النص، ولا تقدم لفكرة النص أي إضافة لافتة.
إذن القصة لا تأتي من العدم ولا تكتمل في العدم بل تقودها أيدٍ مبصرة في ظلام ضرير يبحث عن أبواب خلفية لكي يخرج من عتمته إلى الضوء، رويداً رويداً لا نسمي الأشياء باسمها فتصير مزهرية البيت غابة وثقب الباب هاوية كبــــيرة، والأيدي مع الوقت تمحي وتختفي حتى يضيع وجه المؤلف في النص، ولأن الثقافة العربية اليوم تعاني من تكلس خفيف في مفاصلها ويقف كل كتابها وسط الحروب والتجــــارب، نجد أن الكتابة عاجزة عن أن تكون شكلاً والكاتب عاجز عن الاختيار بين منطقتين، الأولى أن يعيش الماضي بأحلامه وأوهامه، والثانية أن يستقبل هذه الكثافة من التاريخ ويفتت كل مآسيه بيديه، والعجز الذي يعاني منه الكاتب لا يأتي من حيرته في اختيار منطقته، بل حيرته ولدت من تعجبه لعدم قدرته على الاختيار، فتصبح مواضيع القصص مرمية في الطرقات وفوق الركام وتحته، ولكن الكتابة غير قادرة على إيجاد شكل لتحديد نفسها، فتختلط كل الأزمنة بفوضى تستعد لتجد شكلاً كتابياً جديداً لم نألفهُ.

المعتصم خلف، كاتب فلسطيني

تعليقات فيسبوك
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.