البطولة في حكاية ما بعد الموت في أدب إلياس خوري

0

«المؤشر الأساسي الذي تقدمه الحكاية هو الاستمرار، الحكاية مستمرة دائماً، تجتمع مع قصص أخرى إلى أن نفقد ملامح الراوي، ونروي القصة كأننا أصحابها إلى أن تستمر البطولة على الرغم من موت الأبطال».
من هنا يبدأ خلق الأبطال في روايات الكاتب إلياس خوري، من نشوة الخسارة، فلا تقف البطولة أمام أحداث القصة كأنها حالة نادرة الحدوث بين الشخصيات، بل تستمر على الرغم من الموت، تراجيديا تعطي القارئ صفة الطير القادر على التحليق على علو منخفض فوق الحكاية، هابطاً من أعلى التل إلى أسفل المنحدر، منتشياً بقدرته على التحليق، مدفوعاَ بإيقاع يعلو ويهبط، ينبع من الالتزام الحقيقي في القضايا.
للبطولة وجوهٌ مختلفة في الأدب استطاعت أن تُطوّر نفسها عبر التاريخ، وتنسجم في كل فترة مع الإدراك السياسي والاجتماعي الذي نحت أبعادها وغيّر ملامحها، وما كان يتغير دائماً هو معايير البطولة، وجوه تنتقل من قناع إلى آخر، ومن قصة إلى أخرى، لكي تثبت لنا أن الحكاية دائمة البحث عن التجربة التي قد تقدم نفسها في واقعنا، ولكن بظروف مختلفة، فمثلاً كان يتم تصوير البطل على أنهُ صاحب صفات خاصة وقوى خارقة يتحمل الألم وينتصر دائماً مع النهايات، وتبدّلت هذه الصورة إلى بطل مهزومٍ وصاحب بطولة غامضة وبعيدة، يعيش هزائمه بشاعرية حتى الموت، صار الانتصار ينطوي على شيء من السذاجة، وذلك بالتأكيد نتيجةٌ لظروف سياسية واجتماعية عديدة، والأمثلة هنا كثيرة من روايات وقصص شعبية وحكايات ما زالت بيننا، ولابد من نزول درجات هذه التجربة التي تأخذ البطولة في كل فترة زمنية نحو إدراك دقيق للمشاعر تحدد من خلاله أقنعة البطولة.
يقول الروائي إلياس خوري في رواية «مملكة الغرباء» التي صدرت عام 1993
«الأبطال يموتون أما نحن فنروي حكاياتهم». وبالفعل كان وجه البطولة مع الكاتب إلياس خوري ضبابياً بطريقة مدهشة، يحمل بعض الوضوح في صوت الراوي أو الشخصيات التي اكتشفت شخصية البطل، حتى التوتر الذي كان ينتقل بين الأحداث كان يحمل دلالة معينة، ليصور لنا بطل القصة بشكل أدق، وتنطلق الحكاية من هذا الموت الذي يكمل كينونة الشخصية، ويجعلها كاملة في عيون القراء، البطولة اكتملت حتى لو لم يكن البطل ثائراً أو فدائياً أو صاحب معتقد أو فكرة، حتى لو لم يكن السلاح أو الأرض هي دافعه للموت، فبعض أبطال إلياس خوري كانوا أشخاصاً عاديين يرفضون حمل السلاح، ولكن لهم حكاية ويجب أن تروى، واكتملت بطولتهم بسرد شكل الموت وتحليله وتقديمه ضمن عمل روائي.

وبالفعل فإن أغلب أعمال إلياس خوري اعتمدت على تحليل محيط الشخصيات الذي مهّد لتحديد أبعاد البطولة، وشخصية (أبوسالم) في رواية «باب الشمس» تعتبر المثال الأهم للبطولة المنتهية منذ بداية الرواية، ولكنها اعتمدت على الراوي (خليل) الذي روى لنا الحكاية بعد موت البطل، جعلنا نصدق كل بطولات (أبوسالم) وفدائيته، على الرغم من أنهُ كان في حالة موتٍ سريري، ولم يتحرك حركة واحدة في العمل، وكل الكلام كان يروى على لسان الراوي خليل، وبالفعل فالجملة التي كتبها الروائي في عام 1993 في رواية «مملكة الغرباء»- أي قبل كتابة رواية «باب الشمس»-
«هذه هي البطولة أن تصدق ما يرويه الآخرون عنك، ثم تصبح حكايتهم وتموت». قد اعتمدها عام 1998 في رواية «باب الشمس» من خلال شخصية خليل الراوي وشخصية أبوسالم الذي أصبح حكايتنا ومات في النهاية.
ولا يهم الآن من أين أو كيف اعتمد الروائي إلياس خوري هذه الجمالية التي تقدم البطل والبطولة بدون خدش الصورة أو الإطار الذي يدور حولها، ولكن المؤكد أن الأمر لا يعتمد على الصدفة، لأن البطولة في الرواية لا تحتمل الصدف، ولأن الروائي اعتمد الأسلوب ذاته أيضاً في رواية «الوجوه البيضاء» التي تستند في سردها إلى التحقيق الذي يدور حول موت شخصية (خليل أحمد جابر) الذي نعرفه بالطريقة ذاتها، التي اعتمدت على البطولة، ولكن بعد الموت، ونكتشفه من خلال أصوات الشخصيات التي عَبَرت من خلاله، مع أن ابنه كان أكثر من نُعِت بالبطل في العمل، لأنهُ حمل السلاح وقاتل واستشهد، ولكن البطولة الحقيقية كانت لـ(خليل أحمد جابر) المواطن العادي الذي لم يقاتل أو يحمل السلاح، ولكنهُ كان ينزع ملصقات الشهداء في الطرقات ويطلي جدران المدينة بالأبيض.
وإذا قرأنا في الأدب العالمي سنجد أيضاً هذه الصورة التي تعتمد على شاعرية الخسارة أو الموت، فمثلاً أبطال الكاتب دوستويفسكي كانوا مهزومين محطمين ويعانون من خسارات شخصية فادحة وقلق دائم، هيكتور بطل الإلياذة كان خاسراً مهزوماً، آنا كارنينا تموت في نهاية العمل تحت عجلات القطار، والأمثلة كثيرة.
كلهم أبطال انتهت قصتهم بموت وخسارة، كانت شاعريتهم تقودنا دائماً لفتح أبواب جديدة في داخلنا لم نكن نعلم بوجودها أبداً، غرف مضاءة بشكل جيد، شرفات على مشاعر لم نجربها أبداً، ورويداً رويداً نرى الفرق بين أبطال الكاتب إلياس خوري في تراجيديا الموت وأبطال الروايات الأخرى التي عرفناها وقرأناها.
الموت الذي تنطوي عليه شخصيات الكاتب إلياس خوري يجعلها تختلف عن أبطال الروايات العالمية التي تنتهي بالموت، فمثلاً هم لا يتفوقون على أقرانهم بشيء، ولا يختلفون عنهم بصفات خاصة، الفرق الوحيد الذي يختلف فيه أبطال إلياس خوري عن باقي الشخصيات في أعماله، هو مدى الالتزام الأخلاقي بالقضايا، هذه الروح التي تدعوك للإعجاب بها حتى في هزيمتها الأخيرة، فهم لا يتنازلون، يملكون العناد الذي يرافق الصوت والحركة وطريقة طرح الأفكار، وهذا لا يعطيهم صفاتٍ خاصةً بقدر ما يعطيهم جزءاً كبيراً من الحقيقة التي يجب أن يقوم عليها الجميع.. ورغم هذا هم لا يتصرفون كأبطال. لا يكسبون معاركهم الكبرى، ليس بسبب الضعف أو الجبن، بل بسبب الواقع المفروض عليهم، هم يملكون صفات الانتصار، ولكن لا يملكون أدواته، فكل خطواتهم تكون بلا أمل غالباً، ما يجعل صخرة سيزيف هي المرافق الوحيد لطريقهم، فيكون موتهم دليلاً على فقدان الواقعية وعدم قدرتها على اختيار الطريق الصحيح، ومن هنا يتم شرح مواقع الخلل والخطأ في كل مرحلة ومجتمع وحرب وهزيمة، وهكذا تظهر النقطة الأهم وهي موقعهم الحقيقي في المجتمع كونهم لا يملكون كامل السلطة، وتفرض عليهم دائماً قوى أكبر منهم، شكل هذه الهزيمة وهذا الموت، وهذه القوى التي تفرض على الشخصيات لا تتشكل من أنظمة وقوانين، قد تكون تفكيراً سائداً أو اعتقاداً منتشراً في المجتمع.
وغالباً ما يكون موت أبطال الكاتب إلياس خوري شكلاً للحاضر، فهي دائماً ما تكون سبباً قوياً للتأمل في المأساة التي نعيشها وليست خاتمة، وهذا ما يجعلها صفة من صفات الحاضر، فإطار الموت السميك الذي يغلف كل عمل روائي غربي يكون في الغالب هو النتيجة، ولكن موت أم حسن في الجملة الأولى من رواية «باب الشمس» أو حتى أبوسالم لا يعطينا شعور النتيجة، بقدر ما يعطينا دافعاً للبحث في جيوب الموت، وإطاراً جديداً لتشكيل الحاضر، ولهذا رأينا الشباب الفلسطيني يسمي ضيعة باسم الرواية «باب الشمس» ومن ثم مخيماً باسم «أحفاد يونس» الاسم الحقيقي لأبوسالم بطل العمل.
أقنعة البطولة دائماً ما تكون متفردة وحرة ومتنقلة بأقدام ثابتة رغم اعتراضها على الواقع، ورغم الخطر الذي يحيط بها، ولكن علاقة البطولة مع هذه الدوائر التي ينتجها الموت في أدب الكاتب إلياس خوري جعلت من القضايا التي التزم بها الكاتب مسوَّرة الحكايات، موثقة بواقعية مستمرة ولها حاضرها المتجدد، واستطاعت أن تنقلنا من قصة إلى قصة، بدون أن نشعر بهذه الصدمة التي يمتلكها الموت، بل كانت تنقلنا من قصة إلى قصة بأقدام ثابتة.

المعتصم خلف/ كاتب فلسطيني

تعليقات فيسبوك
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.