اقتراب التعديل الحكومي المصري

0
قالت مصادر حكومية وبرلمانية مصرية إن جهازي المخابرات العامة والرقابة الإدارية، الأكثر حظوة في دائرة رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، استدعيا عدداً من الوزراء الحاليين خلال الأسبوعين الماضيين، بدعوى مناقشتهم في حجم إنجازاتهم ومدى التزامهم بتعليمات السيسي ودائرته. كما جرت “مواجهة بعضهم” بعدد من الوقائع المنسوبة لذويهم ومساعديهم والتي تحمل شبهات فساد أو إساءة استغلال السلطة، لكن بقدر لا يستدعي المساءلة القضائية لقلة الأدلة الدامغة أو عدم التأكد، وذلك لإجراء تقييم نهائي لهم، وما إذا كانوا سيستمرون في الحكومة من عدمه، وهو ما يرجح لدى المصادر إجراء تعديل حكومي واسع قبل نهاية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي.

وأضافت المصادر أن من بين من تم استدعاؤهم وزيرة الاستثمار سحر نصر، ووزير التعليم طارق شوقي، والتموين علي مصيلحي، والصحة هالة زايد، والتنمية المحلية اللواء محمود شعراوي، والتجارة والصناعة عمرو نصار، والتعليم العالي خالد عبد الغفار، والآثار خالد العناني.

ومن الأسباب الإضافية تعدد اعتذارات المرشحين للحقائب الوزارية، إذ تهرب عدد كبير من المسؤولين الفنيين داخل الوزارات والأكاديميين من تولي المسؤولية خشية “الحرق الإعلامي” وبسبب المشاكل المستعرة بين الوزارات وبعضها البعض، وكذلك خضوع أعمال الوزراء لرقابة عدد كبير من الأجهزة والدوائر، وبصفة خاصة الرقابة الإدارية والمخابرات العامة.وأوضحت المصادر، التي تحدثت مع “العربي الجديد”، أن التعديل الحكومي المرتقب منذ فترة طويلة تأخر لأسباب عدة، أولها أن بعض المقربين من السيسي، وعلى رأسهم نجله محمود صاحب الكلمة المسموعة في المخابرات العامة، نصحوه بعدم التعجل في إجراء التعديل الوزاري حتى لا يظهر وكأنه يتصرف تحت ضغط الهزة التي تعرض لها النظام في 20 سبتمبر/ أيلول الماضي بخروج أكبر تظاهرات ضده بدعوة من المقاول والممثل محمد علي.

ومن أسباب التأخير الأخرى، بحسب المصادر، عدم رضا السيسي نفسه عن الأسماء المرشحة من داخل الحكومة لخلافة رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي الذي كان مدير المخابرات عباس كامل يسعى لإطاحته، وكذلك اعتذار عدد من الخبراء المصريين الاقتصاديين العاملين خارج البلاد حالياً عن عدم تولي تلك المهمة، خشية “الحرق السياسي والإعلامي” أيضاً وتفضيلهم الاستمرار في وظائفهم بالمنظمات الأجنبية، على الرغم من أنهم تلقوا وللمرة الأولى اتصالات لطلب المساعدة من دائرة السيسي، كما نشرت “العربي الجديد” باستفاضة في تقريرين سابقين خلال الشهر الماضي عن هذا المستجد الذي باء بالفشل.

ولذلك فإن المؤشرات تتجه لاستمرار مدبولي رئيساً للوزراء على الرغم من محاولة بعض الدوائر الترويج لكل من وزيري الكهرباء محمد شاكر المرقبي، والتخطيط هالة السعيد، لكن المصادر تشير إلى أن حظوظ وزير الكهرباء متراجعة لأنه سبق أن اعتذر عن هذه المهمة بدعوى أنه “لا يفهم في السياسة” ولا يريد توريط نفسه في أي قرارات ذات طابع سياسي أو اقتصادي، ويرغب في التركيز فقط على ملفه التقني.

وأشارت المصادر إلى أن وزيرة التضامن غادة والي من المتوقع رحيلها بسبب ترشيحها حالياً لمنصب “كبير” في منظمة دولية في الولايات المتحدة، والأمر ذاته بالنسبة لوزير العدل حسام عبد الرحيم لكن بسبب سوء حالته الصحية، علماً أن النائب العام السابق نبيل صادق الذي كان اسمه يتردد في الكواليس كمرشح قوي لخلافته لم يتسلم حتى اللحظة عمله السابق في محكمة النقض، كما رفض الإعارة لدولة الإمارات، ما يرجح انتظاره إشارة التعيين في المنصب الوزاري.

وأوضحت المصادر أن هناك محاولات من أطراف عديدة داخل المخابرات الحربية تحديداً ودوائر إعلامية قريبة من السلطة لإقناع دائرة السيسي بالموافقة على عودة حقيبة وزارة الإعلام، لكن في صورة “وزارة دولة” بدعوى أن الجهود التي تتخذ حالياً من الأجهزة ودائرة السيسي للسيطرة على الإعلام يعرقلها نقص كفاءة المسؤولين بالمجلس الأعلى للإعلام والهيئة الوطنية للصحافة والخلافات الواسعة بين أعضائهما.

وهناك أسماء عدة تطرحها تلك الأطراف والدوائر لتولي الحقيبة، على رأسها الكاتب الصحافي ياسر رزق، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأخبار، والذي حل ضيفاً على برنامجين، مساء أمس الأول، وتحدث عن “أهمية عودة حقيبة الإعلام”. كما جدد حديثه السابق المتعلق بالترويج لضرورة أن يشهد الأفق السياسي والإعلامي في مصر انفتاحاً افتقر إليه في السنوات الأربع الأخيرة، وبلغ ذروته بتحكم دائرة السيسي المخابراتية الرقابية في معظم المؤسسات الإعلامية على مستوى الملكية، وعليها جميعاً من حيث المحتوى والتوجهات، فضلا عن إلغاء دور معظم الأحزاب السياسية والتضييق عليها حتى الموالية للسلطة منها.

وسبق أن قالت مصادر حكومية وأمنية مطلعة لـ”العربي الجديد”، إن ترويج رزق وغيره من الإعلاميين لفكرة قرب تحقق انفراجة في المجال العام، هو حصيلة آراء بعض الدوائر المتقاطعة بين المخابرات العامة والأمن الوطني والإعلام، وبعض الترويج يعتمد على محاولات كاذبة من دائرة السيسي نفسها لمغازلة الشريحة الأكثر ثقافة من الرأي العام والإعلاميين والأكاديميين، وإتاحة مساحة حركة وتفاوض مستقبلاً على بعض المكتسبات المتعلقة بالمجال العام، خصوصاً أن الفترة الماضية منذ تظاهرات 20 سبتمبر وحتى الآن لم تشهد أي تقدم يذكر على الصعيدين السياسي والحقوقي، عدا الإفراج عن معظم المعتقلين في التظاهرات وبمناسبتها، وظهور بعض الشخصيات السياسية المحسوبة على “المعارضة الجزئية غير الثورية لسياسات النظام” في وسائل إعلام موالية.وبحسب المصادر نفسها، فإن المخابرات العامة ليست متحمسة لتولي رزق هذه الحقيبة إن عادت، كما أنها ليست متحمسة لأطروحاته السياسية التي يراهن فيها على قربه من السيسي نفسه.

يذكر أن السيسي نفسه كان يرغب في إجراء التعديل الوزاري منذ مايو/ أيار الماضي، نتيجة غضبه من سوء الأداء وخروج بعض أعضاء الفريق الحكومي بتصريحات اعتبرها “غير مقبولة” عن انخفاض التمويل الحكومي لمشروعات تطوير التعليم والصحة، وتكليفه المخابرات العامة والرقابة الإدارية منذ ذلك الوقت برفع تقارير كل أسبوعين للرئاسة عن أداء الوزراء. وهذه الأزمة لا تزال نتائجها بادية في عدم نشر وسائل الإعلام المحلية الموالية للسيسي أسماء وصور جميع الوزراء كقاعدة عامة، عدا رئيس الحكومة ووزراء الدفاع والخارجية والداخلية، كنوع من “التأديب لهم” على التجرؤ بالتصريح من دون استشارة دائرة السيسي مسبقاً، ولمنع حصول الوزراء على أي قدر من الشعبية.

وشهدت بداية الدورة البرلمانية الحالية مطالبات متكررة بالتعديل الوزاري وتحميل الوزراء مسؤولية الاحتقان الشعبي ضد النظام، ودعم ذلك حديث رئيس المجلس علي عبد العال في الجلسة الافتتاحية لدور الانعقاد عن “تقصير الحكومة”، وأن “البرلمان لن يسمح للمسؤولين التنفيذيين أن يصدروا المشاكل لرئيس الجمهورية”، وأنه يجب على “أعضاء الحكومة تحمل المسؤولية وأن يحنوا على الشعب الذي ينتظر منهم الكثير”.

وعبرت تلك التصريحات عن محاولة رئيس البرلمان علي عبد العال تعليق المشاكل على أكتاف الوزراء، واصطناع عدم علم رئيس الجمهورية بها أو أنه يتدخل فقط لتخفيف معاناة المواطنين. وتعكس كل هذه التحركات عودة دائرة السيسي إلى الاستراتيجية القديمة التي كان يتبعها نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك مع الأزمات الشعبية المتوالية، خصوصاً في السنوات العشر الأخيرة من عهده، بحيث يبدو رئيس الجمهورية وكأنه الملاذ الأخير للمواطن البائس، وأنه يعمل على تخفيف وطأة قرارات الحكومة، وكأنه منعزل عنها وعن سياساتها.

المصدر: وكالات

تعليقات فيسبوك
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.