الجوع..سلطان قانون الوجود

0

في 12 أكتوبر 1972 بحي العجوزة في مصر، وبينما كان يقف محمد الحلو مدرب الأسود الشهير ومؤسس السيرك المصري، محيياً جمهوره، هجم عليه الأسد سلطان وأنشب مخالبه في جسده، سقط الحلو على الأرض، نقل إلى المستشفى.. ومات.

بعدها بأيام دخل الأسد سلطان في نوبة اكتئاب، امتنع عن الطعام، حزناً على صاحبه.. ومات!

شاء القدر أن يحضر يوسف إدريس هذا العرض، ويشاهد مقتل محمد الحلو، فيسطره في مقال نشرته صحيفة الأهرام تحت عنوان « أنا سلطان قانون الوجود» أحدث جلبة ودوياً في كل أرجاء مصر، وعبر عما يجيش في قلوب الناس، حيث ربط بين الحالة الاجتماعية والسياسية التي تمر بها مصر وقتذاك، وبين حادثة مقتل محمد الحلو « ألم يعودوا يرونني بطلاً؟.. أيكون الأمر أني شخصياً لم أعد أحفل بأن أكون عليهم البطل؟ أيكون الكفر المزدوج قد حدث، كفرت أنا بهم وكفروا هم بي، وجميعًا كفرنا بوجود بعضنا البعض؟ والبطل مثل اللابطل، والميت كالحي، والحي كالميت، والمومس كالفاضلة، والحرامي كالشريف، الأمس كالغد، والأمل كاليأس؟».

في 4 يناير من عام 2002 كان سليمان عاشور سليمان، عامل السيرك، يسير على بعض أقفاص الأسود والنمور داخل السيرك، بعد انتهاء عرض هذه الليلة، وفجأة أخرج النمر محسن مخالبه من بين قضبان القفص، أمسك بحذاء سليمان، لم يفلته حتى سحب ساقه إلى داخل القفص والتهمها، بترت ساق سليمان وأنقذ من الموت.

بدأت الصحف تنشر قصته، يتقاضي راتباً شهرياً «مائة جنيه»، عمره ثلاثة وخمسون عامًا، لم تقبل به امرأة زوجًا لضآلة المرتب الذي يحصل عليه، فقرر أن ينام في السيرك.

ثلاثة وثلاثين عامًا وسليمان يعمل في هذا العمل المرهق، ويتقاضي ذات الراتب.

بين حادثة محمد الحلو وسليمان عاشور عوامل عدة مجتمعة ومتفرقة، منها المكان حيث قضيا في مكان واحد مع اختلاف الزمان، لكن الحلو كما رآه يوسف إدريس كان افتقاد البطولة، الإحباط ، الكفر بالوطن، أما النمر محسن – حسب وصف جلال أمين في كتابه «عصر الجماهير الغفيرة» فكان « الجوع. السايس سليمان جائع، والنمر محسن جائع، ونصف الشعب المصري قد تحول إلى أمة من الجوعى». وكانا في مصر التي تحولت الحياة فيها إلى أشبه ما تكون بسيرك، لكنه يفتقد البهجة !.

في السيرك حوالي عشرين أسدًا ونمرًا، يحتاج الواحد منها إلى نحو25 كيلو من لحوم الأبقار والجاموس يوميًا، توفرها لهم إدارة السيرك، لكن في بعص أيام الأسبوع يعطى للأسود والنمور كمية من لحم الحمير، لأنها أرخص بكثير من لحوم الأبقار والجاموس.

لحوم الحمير بها كمية من السكر أكثر من التي في لحوم الأبقار والجاموس والأغنام، وتتشابه الحمير مع البشر في أشياء كثيرة، منها زيادة كمية السكر في الجسم، وهنا يعتاد الأسد والنمر على هذه اللحوم، فيشتهي جسد الإنسان.

وضع جلال أمين كتابه هذا عام 2002 ولم يكن الشعب المصري قد وصل إلى هذه الحالة المزرية من الغلاء الفاحش، مع وجود الحكم الاستبدادي، فلم يتصور النمر محسن ولا سليمان عاشور أن يصل كيلو اللحم إلى 150جنيهًا مصريًا، وأن يباع لحم الحمير في بعض المجازر على أنه لحم بقري، ويصل كيلو لحم الحمير إلى 90جنيهًا..!

لم يتصورا ارتفاع الدين الخارجي المصري ليصل عام 2018 إلى 80,8 مليار دولار، وأن يصل الدين العام المحلي إلى 3.1 تريليون جنيه بما يعادل 91.1 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، حسب بيانات البنك المركزي.

يأتي هذا كله بعد تحرير سعر صرف الجنيه المصري، وانتحاره أمام الدولار، ليصل سعر الدولار الواحد إلى 17 جنيهًا مصريًا، ويأتي بعد الحصول على قروض من صندوق النقد والبنك الدوليين ومن البنك الإفريقي للتنمية.

خوف البطل في سيرك محمد الحلو في بداية السبعينيات من المستقبل، الذي بدأ بحرب أكتوبر، وانتهى إلى الانفتاح أو عصر السداح مداح – حسب وصف أحمد بهاء الدين- ثم ترك نفسه للأقوى- الأسد سلطان- ليتحكم فيه، فيزداد الأثرياء ثراءً، والفقراء فقرًا، ثم حقبة التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، حيث السياسة الرمادية، التي تعايش معها المواطن المصري بالهجرة إلى دول الخليج وأوروبا، ثم مجيء عصر السيسي، الذي جفف كل شيء من منبعه، فأصبح الثراء في فئة معينة، لها كل امتيازات الدولة، الجيش والقضاة والشرطة، مع بعض رجال أعمال عصر مبارك، الذين حافظوا على أموالهم واستثماراتهم؛ بالتنازل عن جزء منها للنظام، ليزداد عدد الفقراء في مصر، حيث كشف تقرير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، أن 27.8% من السكان في مصر فقراء ولا يستطيعون الوفاء باحتياجاتهم الأساسية من الغذاء وغيره، وأن 57% من سكان ريف الوجه القبلي فقراء مقابل 19.7% من ريف الوجه البحري، وأوضح التقرير أن نسبة الفقراء في مصر وصلت إلى أعلى مستوياتها في محافظتي سوهاج وأسيوط بنسبة بلغت 66%، تليهما محافظة قنا بنسبة 58%، وأن أقل نسبة للفقراء في مصر في محافظة بورسعيد بنسبة 6.7%، تليها محافظة الإسكندرية بنسبة 11.6%، وأن 18% من سكان القاهرة من الفقراء. كشف أيضًا أن نسبة الفقراء عام 2015 هي الأعلى منذ عام 2000 بنسبة 28%

هناك 30 مليون مصري يقبعون تحت خط الفقر، حسب تقرير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، ليكون الجوع سلطان قانون وجود عهد السيسي، الذي طلب منحه سنتين، ثم ستة أشهر ينقل خلالها الشعب المصري إلى حياة آمنة وكريمة، وهو ما لم يتحقق.

ربما الجوع نفسه هو الذي سينقل الشعب المصري إلى هذه الحياة الآدمية الكريمة إذا أصبح سلطان قانون وجوده وثار وأسقط هذا النظام الذي قضى على آماله في الحيا

تعليقات فيسبوك
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.