هل يتفادى الحراك اللبناني أخطاء الربيع العربي؟

0

تحت عنوان “متظاهرو بيروت: لن نكرر أخطاء الربيع العربي”، خصصت صحيفة “أنفارماسيون” الدنماركية حيزا هاماً، في عددها الصادر أمس الاثنين، للحديث عن الحراك المتواصل في الشارع اللبناني، واستعداد الحركة الاحتجاجية لمعركة طويلة ضد محاولات الالتفاف على مطالبها.

في مواجهة الثورات المضادة

وذكرت “أنفارماسيون” أنه “في 2011 ثار المصريون والتونسيون والليبيون والسوريون واليمنيون ضد تسلط قياداتهم. وفي 2019 وصل الدور إلى العراق والجزائر والسودان ولبنان، يبدو الأمر في ظاهره وكأنه وصفة للفوضى، بيد أنه في العاصمة اللبنانية بيروت تتجهز الحركة الاحتجاجية بشكل دقيق لكفاح مرير وطويل”.

وتمضي “أنفارماسيون” في معرض مقارناتها لحراك الشارع العربي بالقول إنه كما في العراق ثمة رغبات لدى المحتجين في لبنان بأن يغيروا كل النظام السياسي، مؤكدة أنه من المبكر القول إنهم سيتمكنون من ذلك كلية أو جزئيا. في المقابل أوضحت الصحيفة أنه “بكل الأحوال تبدو الحركات الاحتجاجية صعب التغلب عليها أو وقفها، ليس فقط بسبب أعداد المشاركين بل لإدراك كثيرين أن مواجهة الاحتجاجات سيكون تحديا صعبا، مثلما يدرك المتظاهرون أنهم أمام صعاب كثيرة، والمشاركون في احتجاجات بيروت يقولون إنهم تعلموا من تجارب الانتفاضات في دول الجوار، وبالأخص أن النخب السياسية ستتمسك بالسلطة والامتيازات حتى آخر نفس وبأية أثمان”.

وتستعيد الصحيفة الدنماركية ثورات الربيع العربي في 2011 معتبرة أنها شكلت مفترق طرق ولحظة حاسمة في وقوف حركة الاحتجاج بشكل أقوى بوجه السلطات عندما واجهتها في الشارع، وبالأخص حين حطمت حواجز الخوف، ولكنها في الوقت نفسه أظهرت هشاشة حين لم يكن أحد يعرف كيف يجب أن تمضي المعركة إلى الأمام.

وأشارت الصحيفة إلى أن الحركة الاحتجاجية في بيروت تعلمت من أخطاء ثورات الربيع العربي، مردفة في هذا الاتجاه أنه في 2011 كان الناس يتظاهرون ضد الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك باعتباره “رأس الثعبان، ولكن قلة من المصريين أدركوا حينها أن كل بنية الدولة البيروقراطية، بما فيها الجيش والنخبة السياسية كانت كثعبان متعدد الرؤوس جلسوا ينتظرون لحظة الحسم وقيلولة الناس لينقضوا في ضربة الثورة المضادة”. إزاء ذلك، تورد الصحيفة أن المحتجين في لبنان أدركوا ذلك “ويعرفون الألاعيب القذرة التي يصفون بها تحركات النخب التي تملك المال والسلطة والإعلام والجيش”.

وترى “أنفارماسيون” أن الثورة اللبنانية على غير ما جرى في 2011 شوشت على الطبقة السياسية “فقد ظهرت هذه الثورة أقوى مما ظن الساسة والنخب، فحتى بالموسيقى والخيم التي نصبوها وتأمين طاولات طعام وإقامة عروض مسرحية حول اللبنانيون ساحة احتجاجهم إلى ساحة الشعب وأخافوا النخب”.

ومضت “أنفارماسيون” إلى القول إنه “رغم أن رئيس وزراء لبنان (سعد الحريري) استقال مؤخرا، وبعد أسابيع من الاحتجاجات في الشارع اللبناني فإن بيروت تستمر بالتظاهر، فيما يريد المحتجون أن ينهوا الفساد المتأصل والعميق لدى النخبة صاحبة الامتيازات”.

وتنقل الصحيفة أنه من ساحة الشهداء، حيث انطلقت الاحتجاجات في الشهر الماضي، “ما يزال الناس يهتفون ضد النخبة الفاسدة في بلدهم”. ووفقا لما تذكر المحامية لطيفة صبرا، 28 سنة، للصحيفة الدنماركية فإن “الأمور بدأت للتو تأخذ المنحى الجدي، وعليه سيبقى الناس متواجدين رغم استقالة رئيس الوزراء سعد الدين الحريري”.

وأردفت أن الحركة الاحتجاجية لن تتراجع قريبا “فهذه الساحة (ساحة الشهداء) كانت في غابر الأيام نقطة تقسيم العاصمة إلى قسمين، فيما هي اليوم تشكل نقطة التقاء الاحتجاجات وتحولها إلى ما يشبه جمهورية مصغرة، حيث يقوم المحتجون بأنفسهم بالتعبير عن أحلامهم والتحدث مع بعضهم حول الكيفية التي يمكن تحويل آمالهم بمجتمع أفضل معبرين عن مخاوفهم من المستقبل”.

كذلك أوردت الصحيفة عن محتجين في العشرينيات من أعمارهم رفضهم إضاعة شبابهم بحلم الوصول إلى أوروبا، لكنهم بالوقت نفسه قلقون مما ستؤول إليه الأمور. وعبروا للصحيفة عن هواجسهم بالقول “هل سنبقى في الشارع؟ أم سنهاجم ونتعرض لضغوط؟ أم سندخل في حوار ومفاوضات مع الحكومة؟ هل علينا أن نؤسس لإضراب؟ وماذا يجب أن نفعل؟”. وقالت الصحيفة إن المشاركين يقلقون في كل مرة يدعون فيها الناس للاحتشاد خشية عدم قدوم أعداد كافية، لتضيف أن “الجميع يدرك هنا أن قوة النخبة هي في الحيل القذرة والأكاذيب لتقسيم الحركة الاحتجاجية، وكلما زادت الأعداد في الشارع زادت ثقة المحتجين”.

وذكرت في السياق أن “النساء لعبن دورا كبيرا في الحراك، وبعضهن في بداية العشرينيات من العمر، وإحداهن تبدو بشخصية كاريزمية، تتشح بالكوفية وتحمل ميكروفونا بيدها وبحيوية منتصر في ثورة أو حرب عصابات، تردد مرات “ثورة ثورة ثورة” حتى النصر ليرد الجمهور خلفها العبارة ذاتها”.

وأوضحت “أنفارماسيون” بأن “كل هذا الذي يجري في لبنان بدأ في الواقع عندما حاولت الحكومة فرض ضريبة على استخدام واتسآب ما تسبب في سخط شباب البلد بعد أن تجاهلت النخب في البلد حرائق دمرت غابات لعدة أسابيع”. ووصفت النظام في لبنان بأنه “نظام سلطة نخبوي فاسد في الممارسات، وهذا الأمر لم ينشأ أمس، فطيلة جيل كامل ظلت المناصب الوزارية والمؤسسات منجم ذهب خاصا بتلك النخبة. وخلال الأشهر الماضية بدأ اللبنانيون يشكون من الوضع الاقتصادي الصعب الذي يعيش يومياته مَن يتظاهرون ضد الفساد في بيروت”.

وأوردت الصحيفة شهادات لمشاركين في الاحتجاجات قالوا خلالها إنه “لا شيء يمكن أن يتم ويرتب دون رشوة، من تجديد جواز السفر إلى دفع مخالفة سير أو بيع ممتلكات”. “سلطتنا وحكامنا أنشأوا هذا النظام بالأساس لبيع ما هو ملكنا”، بحسب ما ذكرت الصحافية فاتن عطار التي ترتدي ملابس أنيقة وترتاد الجامعة وانضمت للحركة الاحتجاجية منذ اليوم الأول.

وعن الحلول التي يطرحها المحتجون تنقل “أنفارماسيون” أن البعض يدعون لمعركة شاملة مع النظام، فيما آخرون يرون أن الحراك يجب أن يحافظ على اعتداله. وأوردت الصحيفة في هذا الصدد: “يطرح شاب عشريني فكرة قطع كل طرقات البلد للاستجابة لمطلبهم، بينما يعارضه آخرون بحجة أن في ذلك ضررا اقتصاديا للطبقات الدنيا وهو ما سيمنح الطبقة الحاكمة شيكا على بياض لنزع شرعية الحراك، وعندها يتدخل آخر ليسأل: إذا ماذا يجب أن نفعل بحق الجحيم؟ أي شيء سنقدم عليه سيتهموننا بالإرهاب، في الواقع الأغلبية يريدون شل الوزارات والمؤسسات لتركيع النخبة الحاكمة”.

وتنوّه الصحيفة إلى أن قوة هذا التحرك اللبناني في أنه عابر للطوائف والطبقات اللبنانية وحتى لمستويات التعليم ومختلف الإيديولوجيات وأن المحتجين “متفقون على لغة واحدة حول كراهيتهم لنظامهم الحاكم لبلدهم”.

الثورة علاج وطني
وتحت هذا العنوان الفرعي تنقل “أنفارماسيون” أن حالة التنافر بين المحتجين التي تنتهي أحيانا بابتسامة وسلام لا يمكن أن تعكس أن الأمور سائرة بهذا الاتجاه “فكثيرون من قادة الاحتجاج يحاولون وقف محاولة تقسيمهم وتشظيهم”، مشيرة إلى أن “غياب القيادة يمكن أن يؤدي إلى تلاعب النخبة بهم وعلى المدى الطويل يلعب الحكام اللعبة ذاتها التي تسخر من مطالب الناس وتحركهم في الشارع بسؤال عن القيادة ومن يقود هذه التحركات”.

وترى الصحيفة أن “أقلية في ميدان الاحتجاج وبعد ثلاثة أسابيع من الاحتجاجات بالفعل صدقوا أن ما يجري هو تدخل خارجي”. وعن ذلك تنقل الصحيفة عن هالة فرحات، 31 سنة، التي قالت بنبرة متشائمة إنه “في لبنان هناك السنة والشيعة والمسيحيون، وساستنا مدعومون من إيران والسعودية والولايات المتحدة الأميركية وتركيا، ونحن جميعنا في دواخلنا عقود من التربية المذهبية، وبكل صراحة لا أؤمن بأن انقسامنا الطائفي سينتهي في أيام”.

وفي مقابل حالة التشاؤم هذه، استحضرت “أنفارماسيون” أن أغلبية المشاركين “متفائلون بلبنان جديد، ويؤمنون بأنه لا عودة إلى الماضي، فالثورة ضد السلطة الحاكمة تفتح الآفاق وتطلق الأفكار والأحلام والطموحات، وكل تلك لم يعد بالإمكان قمعها، فقد فجّر هؤلاء في الشارع تابوهات كثيرة”. وتمضي لتنقل عن طالبة الاقتصاد منال إبراهيم، 27 سنة، قولها “هذه الثورة هي نوع من العلاج الوطني، فنحن اللبنانيين عشنا يوميا بمشاكل متعددة وكنا نخجل منها حتى اكتشفنا أن كل الأمة تعيش المشاكل نفسها التي كنا نخجل منها فرديا”.
المصدر: وكالات
تعليقات فيسبوك
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.