مصطفى إسماعيل…الحاضر في الذاكرة المصرية

0
أربعة عقود مرت على رحيل المقرئ المصري الشيخ مصطفى إسماعيل (1905 – 1978). سنوات طوال، كانت كافية لإثبات عمق أثر الرجل على كل قرّاء القرآن من معاصريه أو ممن جاؤوا بعده، إذ امتلك إسماعيل من المواهب في الصوت ومن العبقرية في الأداء ما لم يمتلكه مقرئ آخر من أعلام القراء الكبار الذين شيّدوا صرح التلاوة المصرية المؤثر في أنحاء العالم الإسلامي.

ربما، يجد من يكتب أو يتكلم عن مصطفى إسماعيل قدراً من الصعوبة، فالحديث العلمي عن الرجل يحتاج إلى قارئ ومستمع على قدرٍ من الوعي الفني والموسيقي. يملك إسماعيل صوتاً يتجاوز أوكتافين، ويؤدي ما بين 16 إلى 18 درجة موسيقية، تقع بين طبقتي دو راست، وجواب جواب الدو، أو ما يعرف بجواب الكردان، وقد يتجاوزها أحياناً بنصف درجة أو درجة.

كما قد يتخافض قراره أحياناً إلى درجة صول يكاه، مع الأخذ في الاعتبار أن هذه القياسات الصوتية مأخوذة من تسجيلاته في عقود الخمسينيات والستينيات، وأن بعض معاصريه من أهل التخصص أكدوا أنه صوته في الثلاثينيات والأربعينيات كان أقوى مما كان عليه بعد ذلك. أو بتعبير المؤرخ والناقد الموسيقي الكبير الراحل كمال النجمي: “لم يكن ممكنا وصف قوة صوته وجماله”. هنا، الشيخ يوؤدي جواب الكردان في الدقيقة 16 من هذه التلاوة وتحديدا عند لفظة قاف:
ودرجة جواب الكردان طبقة حادة للغاية، يصعب الوصول إليها في الأصوات الرجالية، ويكاد يكون مصطفى إسماعيل بين القراء منفرداً ببلوغها في تسجيلات عدة، بركوز وتمكن نادرين.
وربما كانت طبيعة صوت الشيخ لا تقل أهمية عن مساحته الكبيرة، فصوت الرجل شديد الثراء، غني بالعُرب الطبيعية، سريع الذبذبات بمستوى مذهل، يتسم بثبات في درجاته المختلفة، ربما لم يعهد في صوت رجالي آخر؛ فالدفق الصوتي لديه لا يهتز ولا ينقص حتى وهو يؤدي تلاوته من أصعب المناطق، وكلها سمات مكنت حنجرة الرجل من النهوض بأفكاره النغمية والتعبيرية بمستوى بلغ حد الكمال الفني.

للشيخ مصطفى إسماعيل منهج في تلاوته، وخطة معتمدة لم يكن الرجل يحيد عنها، ومن أهم سمات هذا المنهج:

التصاعدية
أي البدء بدرجة قرار خفيض، ثم التصاعد التدرجي نحو جواب المقام، في زمن يستغرق غالبا نحو 15 دقيقة، قد تصل في بعض التلاوات إلى 40 دقيقة، فإسماعيل لا يحبذ القفزات السريعة، ولا الوصول إلى المناطق الحادة في وقت قصير، ولا الاستعراض المبكر لكامل طاقته الصوتية، وإنما يتمهل ويترسل، لأن صوته يزداد طلاوة كلما طال وقت التلاوة. هنا، الشيخ يستهل تلاوته من قرار خفيض، ثم يتصاعد تدريجياً:

البنائية
تلاوة مصطفى إسماعيل محكمة البناء، وليست مجرد جمل جميلة، أو قفلات فخمة؛ فهو يحرص على العلاقة بين الجُمل داخل المقام الواحد، وأيضاً على العلاقة بين المقامات التي يتناولها. وهو في متانة البناء الموسيقي يذكرنا بنهج رياض السنباطي في تلحين القصيدة؛ إذ يكون التماسك البنيوي سمة أساسية للحن. يقدّم إسماعيل علاقة منطقية بين الجمل والمقاطع، فتأتي تلاوته كأنها صروح شاهقة أو عمائر متينة التأسيس محكمة البناء. في هذه التلاوة، يمكننا ملاحظة الطريقة الهندسية التي يتبعها إسماعيل في بناء مساره النغمي:

الإشباع المقامي
يتسم الأداء النغمي للشيخ مصطفى بالإشباع، وإظهار شخصية المقام، والمرور على درجاته المختلفة، وإظهار أجناسه وعقوده، وفقاً لفلسفة المقام ومنهجية السير به، ولا ينتقل من مقام إلى آخر إلا بعد أن يبلغ جواب المقام الأول، وبقفلة في غاية القوة، وقد يقدم عدة قفلات داخل المقام الواحد قبل أن يغادره إلى آخر. هذا الأداء النغمي من الشيخ مصطفى إسماعيل لا يُقدره حق قدره من درسوا مقامات النغم دراسة سُلمية، ولم يأخذوا بحظ وافر من أساليب التعليم التي تهتم بطبيعة المقام، وفلسفته، وسبل تداخل أجناسه، والدرجات التي يجب التركيز عليها فيه، والأجناس المجاورة له، وطرائق الانتقال السليم منه إلى غيره. هنا، تسجيل لليشخ يقرأ فيه  أواخر سورة الفرقان بمقام النهاوند:

بهذا الأداء الفذ، تناول الشيخ مصطفى إسماعيل في تلاواته مقامات نادرة، ربما لم يقربها أحد غيره من القراء، ومنها مقام الفرح فزا، ومقام السلطاني يكاه، ومقام المستعار. ربما لم يكن الرجل يعرف أسماء هذه المقامات، لكنه كان يؤديها بطريقة علمية، كأنه درسها لسنوات، ليذكرنا بشهادة الشيخ درويش الحريري فيه حين سمعه لأول مرة في بدايات تردده على القاهرة؛ إذ قال: “يا شيخ مصطفى، فطرتك أقوى من كل المعاهد الموسيقية”.
الطاقة الصوتية، والعبقرية الأدائية للشيخ مصطفى إسماعيل، أهلته لأن يكون المثل المحتذى، والقدوة المتبعة عند أكثر قراء مصر، ومكنته من فرض رؤيته في ترتيب المقامات، وتكوين الجملة، وإعطاء القفلة مكانة كبيرة. أصبح الرجل أكثر المقرئين أثراً في مجايليه، وفيمن جاؤوا بعده، وأحياناً فيمن يكبرونه سناً أو اشتهروا قبله.

وصحيح أن قرّاء كثيرين أصبحوا يقلدون مصطفى إسماعيل، أو يفيدون من جمله النغمية، مع تفاوت بينهم في مدى قربهم أو ابتعادهم من الأصل، ومن هؤلاء القراء نذكر حمدي الزامل، وعبد العزيز حربي، ومحمد عبد العزيز حصان، وراغب مصطفى غلوش، وفتحي المليجي، ومحمد بدر حسين، ومحمد السيد ضيف، وأحمد نعينع، وغيرهم، لكن التقليد هو آخر ما يخطر في بالنا عند الحديث عن أثر الشيخ مصطفى إسماعيل في قرّاء مصر، كما أن التقليد يقصر هذا الأثر على من جاؤوا بعده، بينما البحث العميق في ما أضافه الرجل لعالم التلاوة يثبت أثره حتى في زملائه ومعاصريه من أعلام القراء، بل وفي بعض من اشتهروا قبله.

وأهم ما يمكن أن نتوقف معه من أثر مصطفى إسماعيل في القراءة والقراء، “الترتيب النغمي”، فشيوخ الفن قبل مصطفى كانوا يسوقون المقامات الموسيقية بطريقة تتسم بالعشوائية، ولا تعرف ترتيباً متبعاً. صحيح أنهم التزموا دائماً بالاستهلال من مقام البياتي، إلا أنهم لم يمتلكوا خطة أو منهجاً لتوالي المقامات بعد الاستهلال، فلما جاء الشيخ مصطفى ألزم نفسه ترتيباً محدداً، لخصه الباحث في التراث عبد الرحمن الطويل بأنه “التزام شبه ثابت يستهل بالبياتي، ويوالي على الترتيب بمقامات الصبا، الحجاز، النهاوند، الرست، السيكاه، الجهاركاه؛ أو الحجاز، السيكاه، الرست، إن أسقط النهاوند”.

لقد صار هذا الترتيب النغمي يشكل الهندسة العامة لتلاوة أغلب القراء بعد ظهور الشيخ مصطفى إسماعيل، وظلت مخالفته محدودة، ربما بنفس القدر الذي كان يخالف فيه مصطفى خطته. وكانت “القفلة الحراقة” من أخطر وأظهر ما أضافه الشيخ مصطفى وأثر به في قراء عصره ومن جاؤوا بعده، وصارت القفلة لحظة تُنتظر، ومحطة يترقبها السامع، كما صارت تتوالى متقاربة متنوعة، وأضحت النقطة المفصلية في الجملة، بينما كانت، قبل شيخنا، داخلة في السرد العام للتلاوة.

يرى عبد الرحمن الطويل أن القفلات قبل إسماعيل “كانت في الغالب هادئة، متوسطة على الأكثر، فعند الشيخ علي محمود تُطربك الجملة أكثر مما تطربك القفلة، وعند الشيخ طه الفشني تُطربك الجُملة ولا تُطربك القفلة، ثم يفاجئك بعد حين بقفلة تطرب وتعجب، لكنها تظل هادئةً ناعمةً في أذنيك وقلبك، وعند الشيخ محمد رفعت تُطربك القفلة على فترات، ثم تهدأ طويلًا قبل أن تعود، أما الشيخ الشعشاعي فتقدم عليهم خطوات في هندسة قفلاته وصقلها، لكنه أيضًا يُمسكها عنك فترة قبل أن يُلقيَها إليك. فلما قرأ الشيخ مصطفى إسماعيل أذهل الجمهور بكثرة قفلاته وتنويعها، وتبديلها، وهندستها، وما يُوفره لها من التمهيد والتحضير دون أن يُفقدها عنصرَ مفاجأة السامع”.

كانت القفلة عند الشيخ مصطفى معادلة لقفلات رياض السنباطي في ألحانه الكلثومية، تلك القفلات التي لا يملك المستمع معها إلا أن يصرخ بكلمات الاستحسان والاستزادة.

إن الابتعاد عن “الخطة الإسماعيلية” كان أول طريق التدهور والتراجع. وإذا كان كر الأيام والليالي كاشفاً، فإن الأربعين سنة التي مرت على رحيل الشيخ مصطفى إسماعيل، أثبتت أن تلاوته كانت الذروة العليا لهذا الفن، وأن خطته هي طوق النجاة من أزمته الحالية.

تعليقات فيسبوك
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.