ليبيا في ظل الحقبة العثمانية

0

في هذه الورقة سنتكلّم عن التاريخ الليبي إبان الحكم العثماني، وسنذكر كيف انتقلت ليبيا لتصبح تحت سيطرة العثمانيين، ثم سنتكلّم عن أبرز الأحداث التي عصفت بها في هذه الحقبة، وأبرز الإنجازات الحضارية فيها.

 

بدايةً لا بدّ من القول إن ليبيا تأثرت بشكلٍ كبيرٍ بالأحداث المتعاقبة في حوض البحر المتوسط، وهو ما بدا ظاهرا في وقوع ليبيا تحت سيطرة قوىً مختلفةً عبر حقبات تاريخيةٍ متعدّدة.

 

مع بداية القرن الـ 16، شهد البحر الأبيض المتوسط صراعاً بين القوى الإسلامية والقوى المسيحية للسيطرة على المنافذ البحرية والبحر المتوسط، لأهمية ذلك في السيطرة على طرق التجارة البحرية، فاتجهت إسبانيا بأسطولها البحري الكبير إلى مهاجمة موانئ شمال أفريقيا، واستولت على بضع مدن مهمة، مثل سبتة وطنجة وتلمسان ووهران وبجاية وطرابلس في العام 1510.

 

وقد دافع سكان طرابلس عن مدينتهم باستماتة، فاضطر الإسبان، نتيجة اشتداد المقاومة الليبية، وتزايد خطر العثمانيين فـي البحر، إلى التنازل عن طرابلس لفرسان القديس يوحنا (المعروفون بـ”فرسان مالطة”) في العام 1530.

 

كيف حرّر العثمانيون ليبيا؟

منذ اللحظة الأولى لسيطرة فرسان مالطة على طرابلس، لم يكن الليبيون مسرورون بهذه السيطرة، ولم يرحبوا بالمحتل الأجنبي، وظلوا يعانون من الظلم والقهر الواقع عليهم من قِبل هؤلاء الفرسان، ومع تقدّم القوات العثمانية في الشمال الإفريقي، وسيطرتهم البحرية الكاملة على حوض المتوسط، تقدّم الليبيون بالطلب إلى السلطات العثمانية، باعتبارها دولة الخلافة الإسلامية المسؤولة عن أمور المسلمين، للتدخّل لتحريرهم من ربقة الاحتلال الذي كان واقعًا عليهم.

 

وبالفعل، قامت القوات العثمانية، عام 1551 ميلادي، بتلبية نداء الأهالي في طرابلس، وقام القائد العسكري العثماني، درغوت باشا، بمحاصرة طرابلس لمدة ستة أيام، ليتمكن من فتح المدينة وتحريرها ودخولها في شهر آب من العام نفسه.

 

ومما يُذكر مرتبطا بهذه الأحداث أن فرسان مالطة لم يصمدوا أمام انتفاضة الليبيين بقيادة العثمانيين، فتحرّرت ليبيا منهم، ودخلت تحت سيطرة الدولة العثمانية الإسلامية، لتبدأ الحقبة العثمانية في ليبيا منذ العام 1551 ميلادي.

 

العهدان العثمانيان في ليبيا:

مع دخول ليبيا تحت الحكم الإسلامي العثماني، برزت ملامح الدولة الحديثة في ليبيا بعد أن كانت السلطة فيها عشائرية، وكانت القبائل تحكم البلاد بشكل فعلي، فأصبح الحاكم في البلاد هو والٍ بلقب “باشا” يتمّ تعيينه من قبل السلطان العثماني مباشرة.

 

هذه الفترة هي المُتعارف عليها بكونها العهد العثماني الأول، والتي استمرت حتى العام 1711 ميلادي، حيث قام أحد الضباط الإنكشاريين، والذي يُدعى أحمد القره مانلي، بالانشقاق عن الجيش الإنكشاري، واستولى على الحكم في ليبيا، وقد اعترف السلطان العثماني بسلطته، ومنحه قدرا كبيرا من السلطات والصلاحيات، إلا أن القره مانليين أرادوا الاستفراد بالسلطة دون التبعية للسلطان العثماني في السياسات الخارجية، وساعدهم على ذلك ملكهم لأسطول بحري قوي مكّنهم من السيطرة البحريّة القويّة، مما منحهم قدرا كبيرا من الاستقلالية.

 

أسس القره مانليون حكما قويا في ليبيا، وكان يوسف باشا من أبرز حكامهم، وأكثرهم طموحا، واستطاع فرض سيطرة كبيرة على المياه الإقليمية الليبية، وخاض مواجهات بحرية مع الولايات المتحدة الأمريكية أدت إلى توقيع الأخيرة اتفاقا مع القره مانليين تتعهد بموجبه بدفع غرامة سنوية لقاء عدم التعرض لسفنهم.

 

في عام 1832 قامت ثورة شعبية في ليبيا، بسبب الأوضاع المتردّية في البلاد، فاضطر يوسف باشا إلى ترك الحكم في ليبيا لابنه علي، وقد حصل الأخير على اعتراف السلطان العثماني بكونه واليا على ليبيا، إلا أن ذلك لم يستمر كثيرا، فبعد 3 سنوات من تولي علي الحكم خلفا لوالده يوسف باشا، قرر السلطان العثماني التدخل لإنهاء ذلك الوضع، وفي 26 مايو 1835 وصل الأسطول التركي طرابلس وألقى القبض على علي باشا وقام بنقله إلى تركيا، وانتهى بذلك حكم القره مانليين في ليبيا، وبدأت الحقبة الثانية من الحكم العثماني في ليبيا.

 

        الإنجازات الحضارية العثمانية في ليبيا:

إبان الحقبة الثانية من الحكم العثماني لليبيا، والتي استمرّت حتى العام 1912 ميلادي، أدخل العثمانيون الكثير من الإصلاحات إلى ليبيا، وأقاموا حكومة في طرابلس تتبع للسلطان العثماني، وأدخلوا أيضا “التنظيمات”، وهي مجموعة من الإصلاحات الإدارية والاقتصادية التي طبقوها بشكل متطوّر في ليبيا.

 

كما قام العثمانيون بتشجيع عمليات توطين البدو، وعملوا بشكلٍ كبيرٍ على تنمية المدن الزراعية، وبذلوا جهودا كبيرة في إحياء تجارة القوافل عبر الصحراء، وأدى إلغاء نظام الرق إلى ازدهار هذه الرحلات التجارية بشكلٍ كبير.

 

أيضا، قام العثمانيون بتشجيع التعليم في ليبيا، وعملوا على تكوين نخبٍ ليبية متعلّمة وغفا للنموذج التعليمي والسياسي والثقافي في عاصمة الخلافة العثمانية “إسطنبول”.

المصدر: مؤسسة طرابلس الغرب للدراسات

تعليقات فيسبوك
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.