ليبيا في ظل الحقبة الرومانية

0

تعود جذور المجتمع الليبي تاريخيا إلى عام 8000 ق.م (قبل الميلاد)، حيث إن أقدم دليل على ذلك هو مستوطنات بالقرب من غات وسبها أقامت فيها مجتمعات بشرية بسيطةٌ في تلك الحقبة.

وكان أول القادمين إلى ليبيا هم الفينيقيين الذين قدموا من وراء البحار في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، بهدف توسيع أسواق تجارتهم، فأقاموا مستوطنات في لبدة وأويا وصبراتة وظلوا فيها حتى عام 146 ق.م حيث تمّ دحرهم من قبل الرومانيين، وبذلك تكون الجغرافيا الليبية قد دخلت تحت حكم الرومان.

في هذه الورقة سنتكلم عن ليبيا في ظل الحقبة الرومانية وأبرز الإنتاجات الحضارية في تلك الفترة، مع بيان أهمية الموقع الليبي الجيوسياسي. إلا أنه لا بدّ من بيان نقطة غاية في الأهمية، وهي أن ليبيا كدولة، بحدودها السياسية الحالية، هي دولة حديثة، إلا أن البقعة الجغرافية التي تقع ضمنها هذه الدولة قديمة كما أسلفنا، ولذلك فإن كلامنا في هذا البحث، وما يتبعه من أبحاث تتناول التاريخ الليبي، هو عن الأحداث التاريخية ضمن حقبات محددة، والتي حدثت ضمن هذه الجغرافيا التي تُعرف اليوم باسم “دولة ليبيا”.

يحسُن بنا أن نشير ابتداءً إلى أن تسمية “ليبيا” اشتقت من اسم القبيلة التي عاشت غرب مصر وعرفها المصريون القدامى باسم قبيلة “ليبو” (libu).

خضعت ليبيا لحكم الرومان ما بين عامي 146 ق.م و 670 ميلادية، وقد تميزت هذه الحقبة بازدهار الشعر والنثر وتشييد الأبنية على الطراز الروماني، ومن اللافت للنظر أن الرومان كانوا يطلقون على ليبيا اسم ” الجمهورية الليبية”، فمن المعروف أن الرومان عرفوا مفهوم الجمهورية من اليونان الذين قدم فلاسفتهم السياسيون نظريات عن الحكم والجمهوريات، وكانت المدن اليونانية المختلفة ماصدقات لهذا المفهوم، وعرف الرومان هذا المفهوم منهم ثم أطلقوه على ليبيا.

كانت الجماعات التي تقيم ضمن الجغرافيا الليبية جماعات وثنية، وعند اعتراف الإمبراطور قسطنطين الأول بالديانة المسيحية كديانة رسمية للإمبراطورية الرومانية سادت الديانة المسيحية ليبيا لكن دون القضاء الكامل على الوثنية فيها.
الليبي الذي حكم الإمبراطورية الرومانية:
مما يغيب عن علم كثير من الليبيين هو أن أحد أسلافهم قد حكم الإمبراطورية الرومانية، هذه الإمبراطورية التي حكمت العالم كانت في زمن ما تحت إدارة رجل من ليبيا، هذا الرجل هو “سبتيموس سفيروس”.

ولد سبتيموس لأبوين أمازيغيين عام 145 ميلادي في منطقة في غرب ليبيا، ودرس الحقوق في ليبيا ثم التحق بالجيش ليصبح قائدا لإحدى الكتائب الرومانية، وما زال يرتقي في المناصب حتى صار من كبار القادة العسكريين في الجيش الروماني، وحاكما لمنطقة كاملة في أوروبا الوسطى.

بعد مقتل الإمبراطور الروماني “كومود” عصفت بالإمبراطورية الرومانية اضطرابات جسيمة واشتد التقاتل بين أجنحة متصارعة في التركيبة السلطوية الرومانية، فكان أن استغل سبتيموس الفراغ ودخل إلى روما ليضع حدا للقتال ويتوج نفسه إمبراطورا على الإمبراطورية الرومانية.

عرف عن سبتيموس أنه كان يتكلم اللغة الأمازيغية في قلب قصر روما، وهو ما أثار حفيظة البعض باعتباره ليس رومانيا ويحكم روما، إلا أنه كان حريصا على لغته الأم، بل وإن حكمه روما لم ينسه موطنه الأصلي، حيث اهتم بالشمال الأفريقي بشكل كبير، وأنشأ فيه حضارة لا تزال آثارها تشهد له حتى اليوم، كما كان حريصا داخل بيته على محادثة أهله باللغة الأمازيغية، وعلى أكل الطعام الليبي المعروف في ذلك الوقت.

اعتلى سبتيموس عرش الإمبراطورية الرومانية بين عامي 193 و211 ميلادي، وقد أحدث الكثير من الإصلاحات في الإمبراطورية، إلا أنه قلص من صلاحيات مجلس الشيوخ والكنيسة ليتفرد بالحكم لوحده، ثم في العام 211 توفي سبتيموس ليخلفه من بعده ابنه “كركالا” على عرش الإمبراطورية.

من المفارقة أن الإيطاليين، حين احتلوا ليبيا، نصبوا تمثالا لسبتيموس على مدخل طرابلس، إلا أن معمر القذافي قام، عقب استيلاءه على حكم ليبيا، بإزالة التمثال من على مدخل العاصمة.
أبرز الآثار الحضارية في ليبيا إبان العصر الروماني:
لا شك أن ليبيا في ظل الحكم الروماني قد عرفت تقدما حضاريا، ومما لا شك فيه أن وصول ليبي إلى عرش روما ساهم بدفع الإنجازات الحضارية في الشمال الإفريقي، وفي ليبيا بشكل خاص، وهذه بعضا من الآثار التي ما زالت تشهد على إنجازات تلك الحقبة:
– إقليم المدن الثلاث (TRIPOLIS)، وهو يتكون من 3 مدن هي: لبدة، وأويا، وصبراتة، ويوجد في هذا الإقليم الكثير من الآثار الرومانية.
– إقليم المدن الخمس، والذي يتكون من 5 مدن، هي: قورينا أو شحات، وأبولونيا، والتي صارت تسمى سوسة، وبطوليمايس، والتي تسمى الآن طلميثة، ويوهيسبرديس أو برنيقي وهي نفسها مدينة بنغازي، وتوكره أو العقورية.
– مدينة شحات (قورينا)، أسست هذه المدينة في بدايات عام 631 ق. م.
– مدينة بنغازي، والتي سميت حين أنشأها الإغريق عام 446 ق.م باسم يوهيسبرديس أو فردوس يوهيس.
– مدينة سوسة، والتي سماها المستوطنون اليونانيون حين إنشائها باسم أبولونيا.
– مدينة لبدة الكبرى، وهي واحدة من أجمل المدن الأثرية في العالم، ومن أبرز معالمها:
قوس النصر للإمبراطور سبتيموس سيفيروس، المسرح الروماني، البازيليكا.
– مدينة صبراتة، ومن أبرز معالمها:
المسرح الروماني، وهو الأفضل في العالم، وبحيرات الجنوب الليبي.

 

المصدر: مؤسسة طرابلس الغرب للدراسات

Front page

تعليقات فيسبوك
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.