ليبيا في ظل الحقبة البيزنطية

0

هذه الورقة ستتكلم عن ليبيا في ظل الحقبة البيزنطية، وسأحاول تناول بعض الأحداث الليبية في تلك الحقبة، لكن لا مناص من البدء بمقدمة عن الإمبراطورية البيزنطية حتى نفهم ماهيتها ونشأتها ومدة سيطرتها على ليبيا.

عصفت بالإمبراطورية الرومانية، في أواخر أيامها، أحداث جسام أدت إلى انقسامها إلى قسمين، “الإمبراطورية الرومانية الغربية”، وعاصمتها روما، و”الإمبراطورية الرومانية الشرقية” أو “الإمبراطورية البيزنطية” وعاصمتها القسطنطنية، والتي تعرف اليوم باسم “إسطنبول”.

ولا يهمنا في هذه الورقة أن نبحث في الأسباب التي أدت إلى هذا الانقسام، فهو ليس موضوع بحثنا، بل يهمنا أن نشير إلى أن الإمبراطورية البيزنطية التي ورثت الإمبراطورية الرومانية في السيطرة على ليبيا هي قسم من الثانية بعد انقسامها إلى إمبراطوريتين.

أيضا، فإنه من المفيد أن نذكر أن سيطرة الإمبراطورية البيزنطية على ليبيا تمتد من عام 534 ميلادي، تاريخ اكتمال السيطرة البيزنطية على كامل الجغرافيا الليبية، وحتى العام 644 ميلادي، تاريخ الفتح الإسلامي لليبيا.

الديانة المسيحية في الإمبراطورية البيزنطية:
من المفيد لبحثنا أن نذكر كيفية اعتماد الديانة المسيحية كديانة رسمية للإمبراطورية البيزنطية، إذ أن لذلك تأثير كبير على الواقع الليبي الذي كانت تحت سيطرة هذه الإمبراطورية.

لم تكن المسيحية ديانة مقبولة في الإمبراطورية البيزنطية، ويدّعي أتباع هذه الديانة أنهم كانوا مضطهدين من قبل الوثنيين الذين كانوا يمثلون الأكثرية في المجتمع البيزنطي، لكن في العام 312 ميلادي قام الإمبراطور البيزنطي قسطنطين برفع الحظر عن الديانة المسيحية، وسُمح لأتباعها بممارسة طقوسهم بشكل طبيعي وبكامل حريتهم، ولا ننسى أن الإمبراطور قسطنطين هو الذي دعا إلى مجمع نيقية عام 325 ميلادي، حيت أُقرّت أسس العقائد للمسيحية الموجودة، من مثل طبيعة يسوع وألوهيته، وعلاقته بالله، وتسوية حساب تاريخ عيد الفصح، وإقرار القانون الكنسي المبكر، أي نستطيع القول أن المسيحية التي نعرفها اليوم هي نتاج هذا المجمع، على الأقل من حيث الأسس العقائدية.

ثم في العام 394 ميلادي قام الإمبراطور ثيودوتيوس باعتماد الديانة المسيحية كديانةٍ رسمية للإمبراطورية البيزنطية، وراح المسيحيون الذيم كانوا يتهمون الوثنيين باضطهادهم أمس، راحوا يضطهدونهم وينزلون بهم أصناف العذاب لمحوهم من الوجود.

ما يهمنا من هذه المقدمة التاريخية السريعة هي أن هذا الواقع سينسحب بشكلٍ كبيرٍ جدا إلى الداخل الليبي ويؤثر عليه، حيث سنشهد في ليبيا البيزنطية اضطهاد المسيحيين للوثنيين، فقد قام البيزنطيون بملاحقة الوثنيين من الليبيين، والذين كانوا الغالبية العظمى من المجتمع الليبي، إن لم يكونوا عامته، وقاموا بتعذيبهم، وأجبروهم على اعتناق المسيحية أو الموت قتلا.

بعد اعتناق الإمبراطورية البيزنطية الديانة المسيحية قامت بفرض الديانة المسيحية على كل المناطق التي تخضع لحكمهم، فقاموا بفرض التنصير على القبائل الليبية، ونجحوا في ذلك إلى أبعد حد، إلا أن الوثنية التي كانت منتشرة في ليبيا لم تختف بشكل كامل.

ومما يجدر الكلام عنه، حادثة حصلت في ليبيا في عهد البيزنطيين، عام 544 ميلادي، في مدينة لبدة الليبية، حيث دعا الحاكم العسكري البيزنطي 80 من وجهاء قبيلة لواتة، وأقام لهم مأدبة طعام، ثم ما لبث هؤلاء أن قاموا بانتقاد بعض سياسات الحاكم فحدثت حادثة أدت بالبيزنطيين إلى قتل الوجهاء، ونجا منهم شخص واحد نقل الخبر إلى القبيلة، لتشتعل إثر ذلك ثورة ضد البيزنطيين، وكانت هذه الحادثة الشرارة التي أشعلت برميل البارود في الشمال الإفريقي من منطقة المدن الثلاثة حتى جبال الأوراس.

استمرت القلاقل في ليبيا إبان الحكم البيزنطي لها حتى العام 644 ميلادي، تاريخ الفتح الإسلامي لليبيا، لتنتقل ليبيا من سيطرة البيزنطيين إلى حكم الإسلام.

المصدر: مؤسسة طرابلس الغد للدراسات

Front page

تعليقات فيسبوك
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.