لهذا يرفض الثوار اللبنانيون أغاني جوليا

0

كنّا على طريق العودة من دمشق إلى صيدا بعد انتهاء حرب تموز 2006 بمدة قصيرة حين شغّل سائق السيارة الراديو. استمعت للمرة الأولى لأغنية “من عز النوم”، وبعدها، أعلنت المذيعة أن فيروز وجهت تحية لجوليا بطرس وأثنت على أدائها في أجدد أعمالها الفنية وهي أغنية “أحبائي” المقتبسة من رسالة وجهها الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله إلى المقاومين على الحدود.

منذ عام 2006 وحتى اليوم، من حفلاتها في الضبية وصولاً إلى صور، حين تنطق جوليا كلمة “أحبائي” يستلم الجمهور باقي الكلمات عنها، وتسيطر طاقة حماسية في القاعة، ممزوجة بحب الوطن والزهو بالانتصار.

هناك تفاصيل تخص حرب تموز رسخت في ذاكرتي، مثل الملاجئ، الرطوبة، بيتنا الصغير الذي ضم 12 شخصاً، جلوسي على طرف الكنبة بقلق وأنا أستمع إلى نصر الله يقول: “المفاجآت التي وعدتكم بها سوف تبدأ من الآن… الآن في عرض البحر، في مقابل بيروت، البارجة الحربية العسكرية الإسرائيلية التي اعتدت على بنيتنا التحتية وعلى بيوت الناس وعلى المدنيين، انظروا إليها تحترق”. صوت الصواريخ الساعة السادسة والربع صباحاً وهي تقصف معمل الكهرباء، جوليا بطرس في خطاب عُرض مباشرة على الهواء قالت فيه: “بحب قول شكراً لأميركا وصواريخها الذكية، شكراً للصمت العربي. وقوفكن على الحياد وصمتكم ما هو إلا مشاركة في الجريمة، أنتم مشاركون في الجريمة. جريمة قانا وكل المجازر التي حصلت في لبنان خلال الـ18 يوماً أنتم مشاركون فيها”.

بعد وفاة الفنانة صباح، “الشحرورة”، بقيت ثلاثة وجوه نسائية مسيطرة على الساحة الفنية في لبنان. في المرتبة الأولى هناك فيروز طبعاً، ومن ثم ماجدة الرومي وجوليا بطرس. استطاعت الأخيرة، ومنذ بداياتها، أن تصير من حناجر الثورات العربية. وقفت في أوائل التسعينيات من القرن الماضي على مسرح “طرابلس” وغنت مع أمل عرفة وسوسن حمامي “وين الملايين”.

“وين جوليا؟”

بعد مرور 15 يوماً على انطلاق الثورة في كافة المناطق اللبنانية سأل المتظاهر في وسط بيروت: “الملايين هون، وين جوليا؟”.

تختلف بيروت عن باقي المناطق لأنها وبكل بساطة بيروت، فهي تضم كل أنواع الناس والخلفيات الاجتماعية-الثقافية. هذا الواقع من السهل ملاحظته إذا ما مشينا واستمعنا للبث الموسيقى والشعارات بين ساحة الشهداء ورياض الصلح.

تمر يارا قرب مكبرات الصوت التي تبث أغاني جوليا وتصرخ: “ما بتمثل ثورتنا، حطو الراس” فيأتيها الرد بابتسامة من الرجل الجالس فوق الفان. توحدت الساحات على المطالب المعيشية وانقسمت على جوليا بطرس. هناك مَن يفصل فنها عن انتمائها السياسي وحياتها الشخصية، وهناك مَن يعتبر أنها تجسيد حي للسلطة.

يشرح الشاب الثلاثيني أنور، أثناء جلوسه في ساحة الشهداء، أسباب رفضه لتبني أعمال جوليا بطرس، بالقول: “كشخص مشارك بالثورة، ومؤمن بكل الشعارات التي ننادي بها، السياسة والاقتصادية، لا أقبل أن يتم التعبير عن مطالبنا أو مشاعرنا من خلال أغنيات فنانة تُعتبر وبكل بساطة جزءاً من المنظومة الحاكمة، أو أقله يمكنني القول إنها من المؤيدين لهذا العهد”.

ويضيف: “وضَعت جوليا نفسها في الواجهة كمغنية ‘باسم الشعب والمحرومين’ لكنها لا تمانع السفر ضمن زيارات رسمية كزوجة وزير، في رحلة ممولة من جيوب المواطنين. مشكلتي ليست مع الفن الذي تقدمه بل مع تناقضها، فهي تتصرف عكس المبادئ التي تنادي بها في أغانيها. كما أن هويتها السياسية معروفة، جوليا تنادي بالقومية والشعب في الساحات ينادي بلبنان الذي لا تعترف به هي كوطن منفصل عن سوريا الطبيعية”، في إشارة إلى ميولها السورية القومية الاجتماعية.

بقلم: نغم شرف

تعليقات فيسبوك
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.