طرابلس اللبنانية، أيقونة الثورة والمدينة الأفقر

0

كثيرة هي الألقاب التي اشتهرت بها مدينة طرابلس. هي “طرابلس الفيحاء” نظراً لبساتين الليمون التي كانت تملؤها في الماضي، و”طرابلس الشام” لتمييزها عن “طرابلس الغرب” عاصمة ليبيا، و”مدينة العلم والعلماء” و”عاصمة الشمال” و”عاصمة لبنان الثانية” و”قلعة المسلمين” خلال سيطرة الحركات الإسلامية الأصولية على المدينة. تعددت الألقاب التي التصقت بها على مرّ الزمن، بعضها جديد والآخر لم يعد يذكر سوى في كتب التاريخ، إلا أنّ اللقب اللصيق بالمدينة والذي يعبّر عنها أشدّ تعبير هو “طرابلس أمّ الفقير”.

هذا الواقع تؤكده دراسة نشرها البنك الدولي عام 2017، صنفت فيها طرابلس المدينة الأكثر فقراً على ساحل المتوسط، باعتبار أن أكثر من نصف سكانها يعيشون تحت خط الفقر. واقع لا يحتاج إلى دراسة أو أرقام أو جداول لتبيانه، إذ تكفي زيارة سريعة إلى المدينة وأحيائها الأكثر فقراً من باب التبانة إلى جبل محسن مروراً بحيّ التنك وغيرها.

منذ اندلاع الانتفاضة الشعبية في كافة مناطق لبنان، أصبحت ساحة عبد الحميد كرامي (ساحة النور)، حيث تتجمع حشود المتظاهرين منذ اليوم الأول، مرآة للمدينة بأكملها. لا تفرغ ساحة النور من ناسها بالكامل حتى في ساعات الصباح الأولى، وفي ساعات الليل المتأخرة، وحتى عند هطول الأمطار. كأنّ للساحة ناسها، نواتها، الذين لا يبتعدون عنها لحظة واحدة أو شبراً واحداً. كلّما تقلّصت الأعداد، يلتصقون أكثر فأكثر بالدوار. يجلسون على طرفه ويلقون بأكتافهم على مجسّم كلمة “الله” الذي يتوسط الدوار. إنهم فقراء طرابلس الذين بالكاد لهم فيها مكان آخر غير الساحة ينامون فيه. لا أشغال لهم خارج نطاق الساحة ليعودوا إليها، وهم الذين لا يخشون انهيار الليرة اللبنانية لأن جيوبهم فارغة بكل الأحوال.

ثورة طرابلس، على تنوّعها وتنوّع الحشود المُطالبة بـ “إسقاط النظام” فيها هي ثورة الفقراء. هي الثورة التي تذكّر بأن ما يجمع اللبنانيين المنتفضين في المدينة، وفي كافة المناطق اللبنانية الأخرى، هو أولاً وأخيراً لقمة عيشهم.

عند طرف الدوار، يقول أحد الرجال لمجموعة من الشبان إنّ بعض المتظاهرين يأتون من بيوتهم في منطقة القبّة التي تبعد نحو أربعة كيلومترات عن طرابلس إلى الساحة سيراً على الأقدام، لأنهم غير قادرين على دفع كلفة التنقل بسيارة الأجرة يومياً. مع ذلك، يواظبون على المشاركة في الاعتصام.

الباعة المتجوّلون، وهم أبرز وجوه مدينة طرابلس، يواظبون على وضع بسطاتهم في ساحة النور منذ اليوم الأول لانطلاق الانتفاضة. على الرغم من أن الساحة أصبحت باب رزق لهم، إلا أنهم يجمعون على كونهم جزءاً من الحشود والثوار. يقول أبو الفوز، وهو بائع الكعك، إنه مع الثوار لأنه يعاني منذ أكثر من خمسين عاماً لتأمين لقمة العيش. “لا أملك ضماناً صحياً، ولا ضمان شيخوخة، ولم أدفع بدل إيجار منزلي منذ سبعة أشهر”. يطلق أبو الفوز صرخة يطلب فيها من المسؤولين أن “يرحموا الشعب اللبناني ويتوقفوا عن نهش لحم الفقراء والمعتّرين”.

إلى جانبه، تقف أحلام مشلول، المرأة الوحيدة بين الرجال الباعة. تبيع القهوة المرّة والحلوى للمتظاهرين، في وقت تجلس إلى يمينها على كرسي بلاستيكي جارتها الطاعنة بالسن. تقول أحلام إنها جاءت بدلاً عن زوجها الذي كان يبيع القهوة في شارع آخر من المدينة لم يعد يزوره أحد لأن شوارع المدينة البعيدة عن الساحة باتت شبه خالية من الناس. تقول: “نحن مع الثوار، وثورة طرابلس هي ثورة الفقراء على الرغم من أنه لا أمل لديّ بالتغيير”. تعبت أحلام من الحياة ومن الأمل معاً. وتوضح أنها تعيش اليوم من دون بطاقة هوية لأن بطاقتها مرهونة لدى مستشفى أدخلت إليها حفيدها اليتيم الأب ولم تستطع أن تدفع المبلغ كاملاً”. تضيف: “أدخلت الطفل إلى المستشفى بعدما وعدني الطبيب بأنني سأدفع مائة دولار فقط، لكن الفاتورة كانت 600 دولار، فدفعت المائة التي كانت بحوزتي وحجزت بطاقتي وثلاث بطاقات لأفراد من عائلتي وعائلة ابني المتوفى”. تختم أحلام: “هذا ليس بلداً، هذا ليس وطناً”. جارتها التي كانت إلى جانبها لديها هم آخر. تقول: “أضعت عشرة آلاف ليرة لبنانية (نحو سبعة دولارات) البارحة في الساحة، والله بكيت!”.

“فقّرونا”، هذا ما يقوله محمد سعيدي الذي يعمل في تصليح البرادات. يعتبر أنه “ما من أحد صالح ونظيف في منظومة الدولة اللبنانية كلها. كلهم فاسدون”. ويشكو محمد من الوضع المعيشي بشكل عام، ويعترف بأنّ الشهر الماضي كان من أسوأ الأيام التي عرفها منذ بدأ يعمل في هذه المهنة. يقول شاكياً: “في هذا الشهر كله، لم أعمل يوماً واحداً حتى، لذلك أنا اليوم وكل يوم في الساحة”. محمد وهو أب لخمسة أولاد، يؤكد أن ثورة طرابلس وكل لبنان هي ثورة الفقراء دون غيرهم. “الأغنياء منهمكون بالسرقة ويكسبون المزيد من الأموال لجعلنا أفقر وأفقر، وهم لا يبادرون لإيجاد الحلول من أجل مساعدة الشعب”. ويختم قائلاً: “نحن انتخبنا هؤلاء المسؤولين. على عيني ورأسي. لكننا لم نعد نريدهم”.

في وسط الطريق، يلفّ أبو أحمد الدوار مئات المرات في اليوم الواحد، حاملاً بيده رزمة من الأعلام اللبنانية. “أنا كنت أبيع المياه، لكنني اليوم أبيع أعلاماً في الساحة علّني أكسب من خلالها لقمة عيشي وأطعم أولادي”. يتابع حديثه عن حاله المتردّي، ثم يركض باحثاً عن صديق له ليروي هو الآخر قصته، وكيف كان يبحث عن بعض حبّات التفاح ليأخذها معه لأولاده بدلاً من أرغفة الخبز. لا يجد صديقه وسط الحشد، لكنه يقسم بالله أن هذا كان حاله، وكأن حكاية كهذه من الصعب تصديقها في بلد كلبنان أو في مدينة كطرابلس.

المصدر: وكالات

تعليقات فيسبوك
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.