صالح يعتكف رفضاً للضغوط الإيرانية

0

بعد أقل من شهر واحد على قبول استقالة رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، في الأول من ديسمبر/ كانون الأول الحالي، تمدّدت الأزمة السياسية في البلاد لتطاول الرئيس برهم صالح، الذي وجد نفسه مضطراً، تحت الضغوط الإيرانية المتزايدة لتمرير محافظ البصرة أسعد العيداني لرئاسة الحكومة الجديدة، إلى التلويح بالاستقالة ومغادرة بغداد متجهاً إلى مسقط رأسه في مدينة السليمانية، شمالي العراق، ضمن إقليم كردستان. ويأتي ذلك بعد تعذّر الوصول إلى اتفاق لتكليف رئيس وزراء جديد، مع مرور نحو أسبوع على دخول البلاد في فترة فراغ دستوري، إثر تجاوز المهلة الدستورية لاختيار رئيس للحكومة، ومع عودة زخم التظاهرات إلى أيامها الأولى، خصوصاً في مدن جنوبي العراق. في موازاة ذلك، وفي خطوة غير مسبوقة، نشر الموقع الرسمي للمرجع الديني علي السيستاني تصريحاً، أمس الخميس، لمصدر مسؤول في مكتبه أكد فيه أنه “لن تكون للمرجعية الدينية في يوم غدٍ، الجمعة، خطبةٌ تتناول الشأن السياسي”.

ووجه الرئيس العراقي برهم صالح، أمس الخميس، خطاباً إلى البرلمان يعلن فيه “استعداده لوضع استقالته (أمامه) ليقرر البرلمان ما يراه فيها”، قبل أن يغادر إلى السليمانية في إقليم كردستان العراق، وذلك بعد تأكيده على رفض تكليف مرشح تحالف “البناء” المدعوم من إيران، أسعد العيداني، لرئاسة الحكومة الجديدة، “حقناً للدماء وحماية السلم الأهلي”، ولا سيما بعد تصاعد الاحتجاجات في الشارع منذ الإعلان عن ترشيح الأخير للمنصب.

وقال الرئيس العراقي بشأن رفضه تكليف العيداني: “أعتذر عن عدم تكليفه مرشحاً عن كتلة البناء، بعدما وصلت إلى رئاسة الجمهورية مخاطبات عدة حول الكتلة الأكثر عدداً، تناقض بعضها البعض”. ولفت إلى أنّ موقعه يحتم عليه “صون الدستور وحمايته، والحفاظ على استقلال العراق وسيادته ووحدته وسلامة أراضيه، فضلاً عن الحق بتكليف مرشح الكتلة الكبرى بتشكيل الحكومة، من دون أن يكون له حق الاعتراض”. وتابع “وبما أنّ موقفي المتحفظ من الترشيح الحالي يعدّ إخلالاً بنصّ دستوري، لذلك أضع استعدادي للاستقالة من منصب رئيس الجمهورية أمام أعضاء مجلس النواب”. وأضاف “لا خير يرتجى في موقع أو منصب لا يكون في خدمة الناس، وضامناً لحقوقهم”، موضحاً أنّ “الحراك السياسي والبرلماني يجب أن يكون معبراً عن الإرادة الشعبية العامة، وعن مقتضيات الأمن والسلم الاجتماعيين، وتوفير حكم رشيد يرتقي إلى مستوى تطلعات الشعب وتضحياته”.

وعقب الخطاب الموجه إلى البرلمان، غادر الرئيس العراقي بغداد متجهاً بطائرة خاصة إلى السليمانية مسقط رأسه، في خطوة اعتبرت متعلقة بالضغوط التي يتعرّض لها في بغداد من قبل قادة الكتل السياسية القريبة من إيران. لكن مصادر كردية في المدينة قالت إنّ سبب مغادرته بغداد “يرتبط بإلقائه كلمة في مؤتمر عام لحزب الاتحاد الكردستاني مقرّر اليوم الجمعة.
في السياق، قال مسؤول عراقي في ديوان الرئاسة بقصر السلام ببغداد إنّ “الرئيس صالح أبلغ أطرافاً سياسية عدة، إضافة إلى مرجعية النجف، منذ ليلة الأربعاء، برفضه تكليف العيداني ورفضه أيضاً ممارسة ضغوط عليه من قبل أطراف عدة في تحالف البناء، وأخرى خارجية لتمرير الترشيح”، في إشارة إلى تحركات قائد “فيلق القدس” قاسم سليماني، والقيادي في “حزب الله” اللبناني محمد كوثراني، في هذا الخصوص.

وكشف المسؤول عن “خلافات حادة” وقعت بين صالح وعدد من قادة “تحالف البناء”، الذي يعدّ هادي العامري ونوري المالكي وقيس الخزعلي أبرز قياداته، صباح أمس الخميس، بسبب رفض تكليف العيداني. وأوضح أنّ قيادات “البناء” اعتبرت استمرار برهم صالح برفض مرشحيهم، بدءاً من محمد شياع السوداني، ثمّ قصي السهيل وأخيراً أسعد العيداني، غير دستوري، إذ إنّ مهمة رئيس الجمهورية هي تقديم مرشح الكتلة الكبرى فقط للبرلمان لتكليفه، ولا يحق له رفض ذلك، ملمحين إلى أنّ الرفض المستمر لمرشحيهم “يعود إلى توجيه أميركي”، على اعتبار أنّ الشخصيات الثلاث تحظى بتأييد إيراني، أو أنها غير متصالحة مع واشنطن.
ووصف المسؤول تهديدات صالح بالاستقالة بأنها “جدية وليست تخويفاً لأحد، أو محاولة كسب موقف شعبي، لأنّ الضغوط تحوّلت إلى إملاءات”، لافتاً إلى أنه “كان من المقرر أن يلقي الرئيس صالح كلمة مسجلة، لكنها ألغيت وتمّ الاكتفاء بنشر رسالته إلى البرلمان”.

وتعليقاً على هذه التطورات، قال عضو حزب “الاتحاد الوطني الكردستاني” الذي ينتمي إليه برهم صالح، آوات شواني، في اتصال هاتفي إنّ رفض صالح تكليف مرشحي “البناء” “يعود لكونهم مرفوضين من الشارع أولاً، وثانياً لأن ذلك قد يتسبب بأزمة أكبر على مستوى التظاهرات، أو داخل الكتل السياسية المعارضة لهذا الترشيح”.

وأوضح شواني أنّ “النجف والصدر يدعمان برهم صالح، إضافة إلى كتل النصر وجبهة الإنقاذ”، معتبراً أنّ “تحالف البناء بات في موقف حرج، إذ أظهر خطاب تهديد صالح بالاستقالة قوى هذا التحالف في وضع الندّ للشعب العراقي المتظاهر”.

من جهته، قال الخبير القانوني العراقي علي القيسي إنّ رسالة الرئيس العراقي للبرلمان “لا تعتبر استقالة، بل هو يوضح أنه على استعداد لعرض استقالته، لذا لا أثر قانونياً لها حالياً”. وأضاف القيسي في حديث، أنه “في حال قُدّمت استقالة محررة بخط اليد، كما ينصّ عليه القانون العراقي، فإنه بعد 7 أيام من وصولها إلى البرلمان، ستعتبر نافذة، حتى وإن لم يصوت الأخير عليها، ويمكن للرئيس التراجع عن الاستقالة خلال سبعة أيام بكتاب رسمي أيضاً”. وتابع أنه “في حال استقال الرئيس، فإنه مع عدم وجود نائب له، يتولى رئيس البرلمان منصب رئيس الجمهورية ويلتزم مجلس النواب بانتخاب رئيس جديد خلال 30 يوماً فقط”.

بدوره، قال رئيس “المجموعة العراقية للدراسات الاستراتيجية”، واثق الهاشمي، إنّ “رسالة برهم صالح كانت متوقعة، وهي ليست استقالة، بل وضع لها أمام مجلس النواب، في رسالة على أنه يتعرّض إلى ضغط خارجي كبير، ومن قبل تحالف البناء، وضغط آخر من قبل الشارع العراقي، وضغط أيضاً من قبل تحالف سائرون”.

وأصدرت كتل سياسية عدة بيانات ومواقف أعلنت فيها رفض استقالة برهم صالح، معربةً عن تقديرها لما سمّته “مقاومته للضغوط”، وأبرزها تحالف “سائرون” و”الحكمة” و”النصر” و”جبهة الإنقاذ”، وهو الأمر نفسه الذي صدر عن ناشطين بارزين في التظاهرات.

وفي هذا السياق، وصف النائب غايب العميري، القيادي في تحالف “سائرون”، بزعامة مقتدى الصدر، موقف الرئيس العراقي بأنه “مشرّف وشجاع”. وقال في حديث إنّ “تحالف سائرون يرفض استقالة رئيس الجمهورية، وهو مع بقائه، والحديث عن الاستقالة جاء بسبب الضغوط الكبيرة التي تعرّض لها من أجل فرض مرشح من قبل الطبقة السياسية من الشخصيات المجربة سابقاً والمرفوضة شعبياً”. وأضاف أنّ “تحالف سائرون، سيكون داعماً لصالح، في التصدي للضغوط، من أجل تكليف شخصية تتمتع بالمواصفات التي نادى وطالب بها المتظاهرون، وغير ذلك، لن تكلف أي شخصية أخرى، مهما كانت الضغوطات السياسية، أو حتى الخارجية”.

من جهته، رأى عضو الحزب الشيوعي العراقي إبراهيم الناصري أنّ وجود قاسم سليماني ومحمد كوثراني في المنطقة الخضراء “هو بحدّ ذاته إهانة للرئيس العراقي ولكل القوى السياسية”. وأضاف في حديث: “صار واضحاً أنّ هناك ضغوطاً لنقل أوامر إيرانية للعراق، وما نشهده الآن هو أمر صحّي للغاية، فنحن أمام ولادة جبهة عراقية رافضة لهذه الإملاءات الإيرانية”.

وأوضح الهاشمي أنّ “رئيس الجمهورية، ليست لديه أي رغبة في تكليف أي مرشح يقدّم من قبل الكتل السياسية، ولهذا هو وضع الاستقالة أمام مجلس النواب. فهو لا يريد أن يخسر الشارع العراقي أو المرجعية الدينية”، معتبراً أنّ “تهديد صالح بالاستقالة مع رفضه مرشحين جدليين سيزيد من احترام الشارع العراقي له”.

في المقابل، يحشد العراقيون خلال الساعات القليلة المقبلة لآخر جمعة من هذا العام، بمليونية قالوا إنها لرفض المرشحين الذين تواصل القوى السياسية تقديمهم لشغل منصب رئاسة الحكومة، وللتلويح أيضاً بالتصعيد في حال فُرضت ما يعتبرونها نسخ مشابهة لرؤساء الحكومات السابقين عليهم، مع إضافة مطلب جديد وهو تحديد موعد لانتخابات مبكرة، وهو ما سيعتبر تأييداً لموقف الرئيس العراقي.

ويأتي ذلك مع تسجيل الجنوب العراقي تصعيداً جديداً من قبل المتظاهرين، بعد تعرّض عدد منهم في كربلاء لعمليات طعن من مسلحين بسكاكين وحراب بيضاء، تسببت بإصابة عدد غير قليل منهم. وقد رفعت الشرطة العراقية على أثر ذلك حالة التأهب بمحيط التظاهرات في المدينة، خوفاً من تكرار مثل تلك الحالات، وهو الأمر ذاته الذي فعلته شرطة البصرة وذي قار، فيما عاد مجدداً إلى النجف عنصرها النسوي بعد غياب دام لأسبوعين بفعل المواجهات بين المتظاهرين والشرطة من جهة، ومليشيا “سرايا عاشوراء”، التي تتولى حراسة مرقد الحكيم بالمدينة، والذي أحرقه في النهاية المتظاهرون وذوو ضحايا المتظاهرين بعد مقتل عدد منهم.

ووفقاً لناشطين وأعضاء في لجان تنسيقيات التظاهرات في بغداد ومدن عدة في جنوبي البلاد، من المقرر أن تنطلق بعد الساعة الثالثة من عصر اليوم، الجمعة، تظاهرات حاشدة في كل من محافظات البصرة وذي قار والقادسية والمثنى وبابل وواسط وميسان والنجف وكربلاء، إضافة إلى العاصمة بغداد، وبواقع أكثر من 20 مدينة وبلدة على غرار يوم الجمعة الماضي.
ويرفع المتظاهرون اليوم مطالب جديدة، من أبرزها تحديد موعد للانتخابات المبكرة، وذلك بعد أحاديث لنواب وتسريبات تتحدث عن أن قوى سياسية عدة تراجعت عن تأييد إجراء انتخابات مبكرة، أو تسعى لمدها من عام واحد إلى عامين.

كما يرفع المتظاهرون اليوم مطالب بالكشف عن قتلة المتظاهرين، والذين يقفون وراء اغتيال الناشطين الذين ارتفع عددهم إلى 32 خلال شهر واحد، بعد وفاة ناشط في كربلاء متأثراً بإصابته في عملية اغتيال تعرّض لها في وقت سابق.

ووفقاً للناشط محمد الرميثي، من محافظة المثنى، جنوبي العراق، فإنّ التظاهرات اليوم “تهدف لجمع مليونية من مدن العراق كافة، للتأكيد على رفض تولي مرشحي الأحزاب المستهلكين الحكومة الجديدة التي يجب أن تكون انتقالية، وتحدد موعد لانتخابات مبكرة من الآن”.

وأوضح الرميثي في حديث أنّ “السلطات الأمنية توقفت منذ أيام عن ممارسة القمع، لكنها اتخذت دور المتفرج الساكت على قمع وترهيب الطرف الثالث”، في إشارة إلى مليشيات مسلحة مقربة من إيران تقف وراء استهداف الناشطين. وأضاف الرميثي أنّ آخر جمعة من هذا العام “ستغلق على أكبر “لا” في العراق ضدّ الطائفية والعنصرية والفساد واستمرار حالة اللادولة وتغوّل المليشيات”.

وشهد يوم أمس، الخميس، عودة تصعيد المتظاهرين في البصرة وذي قار والديوانية والنجف. وقد أغلق طريق مطار النجف الدولي وطرق عدة أخرى في المدينة، لساعات، كما تم إحراق إطارات سيارات من قبل المتظاهرين، الذين حاولوا الوصول إلى مقر إحدى الفصائل المسلحة، لكن الشرطة حالت دون ذلك.

المصدر: وكالات

تعليقات فيسبوك
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.