تهديد أمريكي جدي ينهي حصار السفارة الأميركية في بغداد

0

أنهت المليشيات العراقية المدعومة من إيران عصر أمس حصارها للسفارة الأميركية في بغداد، بعد نحو 32 ساعة من اقتحام المنطقة الخضراء وحرم السفارة وإحراق وإتلاف واسع في باحتها الأمامية وملحقات تابعة لها مثل غرف الحراسة والاستعلامات، وذلك بقرار بدا مفاجئاً، إذ جاء بعد أقل من ساعة على نصب سرادق ضخم أمام بوابة السفارة مع منصة كبيرة حملت صوراً لزعماء تصفهم المليشيات برموز محور المقاومة، وأبرزهم المرشد الإيراني علي خامنئي، واستقدام أدوات للطبخ استعداداً للاعتصام في المكان، إلى حين تلبية طلباتهم؛ وهي طرد السفير الأميركي وإغلاق السفارة وإقرار البرلمان قانوناً لإخراج القوات الأميركية من العراق. لكن انتهاء حصار السفارة لم يأتِ إلا بعد تهديدات أوصلها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي “بعقوبات كبيرة على العراق ورد عنيف على أي اقتحام للسفارة،” وفق ما كشف مسؤول عراقي، وبعد تعزيزات عسكرية أميركية أرسلت إلى السفارة والتلويح بإرسال نحو 4 آلاف جندي إضافي. فيما أعلنت السفارة مساء أمس أن كل العمليات القنصلية العامة علقت حتى إشعار آخر.

ولكن على الرغم من انتقال أنصار المليشيات عصر أمس من محيط السفارة إلى شارع أبو نؤاس المطل على نهر دجلة حيث قرروا إقامة اعتصام مفتوح هناك، إلا أن قيادات فيه هددت بإمكانية معاودة الكرّة مرة أخرى في مهاجمة السفارة، في حال “أي اعتداء أميركي جديد على فصائل المقاومة الإسلامية”، في إشارة إلى المليشيات المرتبطة بإيران.

وكشف مسؤول عراقي بارز في الأمانة العامة لمجلس الوزراء، طلب عدم ذكر اسمه أن الاتصال الهاتفي الذي تم في ساعة متأخرة بين عبد المهدي وترامب “كان غير ودي من جهة الأخير”، مبيناً أن ترامب هدد عبد المهدي بأن أي اقتحام للسفارة سيقابله رد عنيف وعقوبات كبيرة على العراق، وذكّره بأن الولايات المتحدة هي من جاءت بهم إلى العراق. ووفقاً للمسؤول، فإن حراك عبد المهدي مع قيادات في مليشيات عدة، فضلاً عن زعيم “تحالف الفتح” هادي العامري، الداعم للهجوم على السفارة، أفضى إلى قرار الانسحاب من محيط السفارة والسماح لقوات الأمن بالوصول إلى المكان، مؤكداً أن عبد المهدي هدد بتركه منصبه شاغراً في حال استمرار عدم احترام الدولة. ولفت إلى أن الضربة الأميركية على “كتائب حزب الله” العراقية في القائم ليل الأحد منحت فصائل “الحشد الشعبي” مجالاً أكبر في التحرك داخل بغداد، لتبدو أن لها الكلمة العليا على قيادة عمليات بغداد وقيادة شرطة بغداد وحتى القوى السياسية والبرلمانية، إذ إنها لم تستجب لبيان رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية عصر أمس بضرورة الابتعاد من السفارة، “لكنها استجابت لبيان الطليباوي”، في إشارة إلى القيادي في مليشيا “العصائب” جواد الطليباوي الذي أصدر بياناً طالب فيه “الحشد وأنصاره بالانسحاب”.

وقبيل انسحاب المحتجين، شهدت السفارة الأميركية استقدام أكثر من 120 جندياً من قوات الكوماندوس عبر مروحيات في حدود الثالثة من فجر أمس الأربعاء. وبقيت أمس مغلقة وتم تجميد أنشطة ثقافية لها وأخرى تتعلق بمساعدات وبرنامج لسكان المحافظات العراقية المحررة شمال وغرب البلاد.

وكان وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر قد أعلن في بيان ليل الثلاثاء-الأربعاء أن البنتاغون سيرسل “فوراً” حوالي 750 جندياً إضافياً إلى الشرق الأوسط “رداً على الأحداث الأخيرة في العراق”. وأضاف إسبر أن هناك “قوات إضافية” جاهزة ليتم نشرها “في الأيام المقبلة”. وتابع بأن “هذا النشر هو إجراء وقائي ومناسب رداً على مستويات التهديد المتزايدة ضد الأفراد والمنشآت الأميركية، كما شهدنا اليوم في بغداد”. فيما أعلن مسؤول أميركي لوكالة “فرانس برس” أن الولايات المتحدة أرسلت 500 جندي إضافي إلى الكويت ليتم إرسالهم “على الأرجح” لاحقاً إلى العراق. وقال إنه في نهاية المطاف “يمكن نشر ما يصل إلى 4000 جندي في المنطقة”.

وبالتزامن مع بدء انسحاب أنصار المليشيات عصر أمس من محيط السفارة، قال وزير الخارجية العراقي، محمد علي الحكيم، إنه تحدث مع عبد المهدي حول إنهاء الاحتجاجات أمام السفارة الأميركية وسلامة الموظفين والمنشآت، معتبراً أن “رسالة المحتجين قد وصلت وأصبحت سلامة انسحابهم ضرورة”، بحسب بيان له. في المقابل، قال حسين المالكي، النائب في ائتلاف “دولة القانون” الذي يتزعمه نوري المالكي، إن الأخير قاد وساطة لإنهاء أزمة السفارة. وأضاف في حديث لوسائل إعلام محلية عراقية أن اتصالات مكثفة جرت من قبل نوري المالكي مع السفارة الأميركية والمحتجين، ما سمح بالانسحاب، متحدثاً عمّا سماه الحصول على “ضمانة بعدم تكرار القصف بعد الإقرار بأن الضربة كانت خاطئة وفي غير محلها”.

في السياق، قال عضو مجلس النواب العراقي عن تحالف “الفتح” المدعوم من إيران، حسن سالم، إن ما حدث أمام السفارة “لم يكن غرضه استعراض العضلات، إنما من أجل الأخذ بالثأر”، مقرّاً في حديث بأن جميع قادة “الحشد الشعبي” كانوا موجودين لحظة اقتحام حرم السفارة الأميركية “لكنهم لم يوافقوا على التخريب، إلا أن مثل هذه الأمور تحدث في أي تظاهرة شعبية”. وأكد أن “تظاهرات الحشد هي رسالة، وإذا لم تصل إلى الولايات المتحدة، فيسكون للمقاومة الإسلامية طرقها الأخرى في تفهيم المحتل ما يريده الشعب”.

في المقابل، قال عضو الحزب الشيوعي العراقي، فرات نوري، إن الضربة الأميركية لـ”كتائب حزب الله” الأحد “تم استثمارها من قبل إيران لترسيخ قوة دولة المليشيات في العراق”، مضيفاً أن “الولايات المتحدة باتت في وضع دفاعي، سواء في قواعدها على الأرض أو حتى موقفها، فحتى أقرب حلفائها بالأمس اتخذ موقفاً سيئاً، مثل إياد علاوي الذي طالب بمراجعة الاتفاقية الأمنية مع واشنطن لتعديلها أو إلغائها”. ولفت إلى أن الهجوم على السفارة واقتحام المنطقة الخضراء “أظهر للجميع حقيقة الوضع في العراق ومدى المأزق الذي يعيشه كدولة محتلة بطريقة حديثة بلا دبابات أو جنود للدولة التي تحتله”، مقراً بأن الضربة “أضعفت الدولة العراقية وقوّت دولة المليشيات، وستكون هناك تبعات أخرى بالتأكيد على العراق”. وكان زعيم “ائتلاف الوطنية”، إياد علاوي، قد أصدر بياناً أمس، شدد فيه على رفضه أن يكون العراق “مسرحاً لصراع النفوذ والمصالح الخارجية بالوكالة”. كذلك دعا إلى الإسراع في تعديل اتفاقية وجود القوات الأجنبية في العراق، أو إلغائها وتنظيم اتفاقية أمنية جديدة، إن اقتضت الحاجة.

في المقابل، قال عضو لجنة العلاقات الخارجية البرلمانية محمد عبد ربه إن “الاعتداء على السفارة الأميركية يحمل خطراً على العراق”، وأضاف أن “ما حدث طامة كبرى ويسيء ويهدم أي بناء سابق في إعادة العراق إلى وضعه الطبيعي”، متابعاً “الحشد يقول إنه جزء من المنظومة، فكيف يهاجم السفارة وكيف يتعامل مع أوامر الدولة بهذا الشكل؟”.

عضو مجلس الحكم الانتقالي السابق والسياسي العراقي البارز انتفاض قنبر قال إن “ما حصل للسفارة الأميركية حدث سيسجله التاريخ كنقطة تحول مهمة في الملف العراقي”، مضيفاً أن “الاعتداء على سفارة دولة كبرى مثل الولايات المتحدة بهذا الشكل المنسق كشف الوجه الحقيقي لعملاء إيران، وتواطؤ أجهزة الأمن عبر فتحهم بوابات المنطقة الخضراء لهم”، معتبراً أن ذلك “سيؤلب الرأي العالمي على النظام السياسي في العراق وعلى إيران”.

في غضون ذلك، تفاعل اتهام ترامب لإيران بالمسؤولية عن الهجوم على السفارة الأميركية. واستدعت الخارجية الإيرانية أمس القائم بالأعمال السويسري لديها للاحتجاج على المواقف الأميركية. من جهته، أعلن المرشد الإيراني، علي خامنئي، أن بلاده “تدين بشدة الهجمات الأميركية على الحشد الشعبي”، مهدداً بـ”ضرب أي طرف يهدد المصالح” الإيرانية. واعتبر أن واشنطن من خلال هذه الضربات “تنتقم من الحشد الشعبي لأنه قضى على داعش الذي صنعوه”. ورد خامنئي على تهديدات ترامب بالرد على طهران، قائلاً إن ترامب “بعد أن سادت بغداد والعراق أجواء ضد أميركا يغرد ويقول نحن نرى أن إيران وراء ذلك وسنرد عليها”، إلا أنه خاطب الرئيس الأميركي بالقول “خسئتم”. وعزا خامنئي الاحتجاجات ضد الولايات المتحدة في بغداد واقتحام سفارتها إلى “كراهية شعوب المنطقة لأميركا”، نافياً وجود دور لبلاده في تنظيم اقتحام السفارة الأميركية.

أما الرئيس الإيراني، حسن روحاني، فأكد في كلمة له، أن بلاده “تتعرض لمؤامرة بهدف كسر شوكتها وإخضاعها وإجبارها على الاستسلام”، مشيراً إلى أن “الشعب الإيراني لن يسمح بذلك وعلى الأعداء العودة عن المؤامرة والطريق الخاطئ الذي بدأوه”. وعن احتمال التفاوض مع واشنطن، وقال روحاني “إنهم (الأميركيين) يعلنون استعدادهم للتفاوض، ونحن أيضاً نقول إننا مستعدون وأهلاً وسهلاً، لكن شرط أن تعودوا إلى النقطة الأولى وتلتزموا بتعهدات أنهيتموها”، في إشارة إلى العودة إلى الاتفاق النووي. وكان ترامب قد عاد مساء الثلاثاء إلى القول إنه لا يتوقع الحرب مع طهران، وأضاف “أنا أحبّ السلام”.

المصدر: وكالات

تعليقات فيسبوك
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.