تاريخ الإعلام الليبي (الجزء الأول-الإعلام في زمن الملكية)

0

يشكّل الإعلام أنجع وسيلة تعكس ثقافة وحضارة أي بلد، وقد فطنت البشرية بشكلٍ مبكرٍ إلى أهمية الإعلام، ودوره في الترويج للحضارات المختلفة، ولسياسات المجتمعات منذ نشأتها، ورغم بدائية وسائل الإعلام وقتها، مثل المُنادين في الأسواق، والفرمانات، وغيرها من الوسائل، والتي كانت بطبيعتها بطيئة نسبيا في إيصال محتواها، إلا أن الحكام، على مرّ التاريخ، لم يتأخروا في بذل وسعهم لتعزيز هذه الوسيلة ودعمها بما أمكن لمواصلة وظيفتها في عرض السياسات العامة لهؤلاء الحكام، ولأنظمة حكمهم.

سنبدأ بسلسلةٍ تستعرض تاريخ الإعلام الليبي، نسلط الضوء خلالها على دور هذا الإعلام في التأثير على السياسات العامة في ليبيا، وسنبدأ بالإعلام في ظل الملكية الليبية، ثم في عهد القذافي، لننتقل بعدها إلى ما آل إليه الإعلام ومؤسساته في ليبيا بعد حراك فبراير 2011، وما تبعه من أحداث.

         الحقبة الملكية في ليبيا:

تأسست المملكة الليبية في 24 ديسمبر عام 1951 تحت اسم المملكة الليبية المتحدة، ثم تغير اسمها في 26 أبريل 1963 إلى “المملكة الليبية”، بعد إلغاء النظام الاتحادي الذي كان قائما بين الولايات الثلاثة، طرابلس، وبرقة، وفزان.

وقد استمرت هذه الملكية في ليبيا حتى قامت مجموعة من الضباط الليبيين، بقيادة معمر القذافي، بانقلاب أطاح بها يوم 1 سبتمبر 1969، في وقت تواجد الملك إدريس في تركيا لتلقي العلاج، حيث قامت هذه المجموعة بالقبض على رئيس أركان الجيش، ورئيس جهاز أمن المملكة، وباقي رؤساء الأجهزة في الدولة، وأعلنت تأسيس الجماهيرية الليبية.

هذه نبذة سريعة عن الحقبة التي تمثل مجال بحثنا، ولم يكن الهدف منها التفصيل في التاريخ الليبي، فهذا أمر يحتاج إلى أبحاثٍ مستقلة، بل الهدف هو تحديد المجال التاريخي للبحث، ومعرفة الحقبة التي يتناولها.

         تاريخ الإعلام الليبي:

لم يكن الإعلام الليبي وليد لحظة معاصرة مفصولة تمام الفصل عن التاريخ الليبي، وربما من المفيد أن نبدأ بتوطئة عن تاريخ هذا الإعلام قبل حتى العهد الملكي، للتذكير بأن المؤسسة الإعلامية الليبية لها جذورها التاريخية حتى قبل هذه الحقبة، والإعلام وحرّيته ليسا بغريبين عن الثقافة الليبية.

مما يستوجب التوقف عنده أن أول صحيفة عربية انطلقت كانت في ليبيا تحت اسم “صحيفة طرابلس الغرب”، عام 1866، في عهد “محمود باشا”، الحاكم العثماني في ليبيا، ثم تبعتها صحف أخرى، منها صحيفة “الفنون”، وصحيفة “الترقي”، ثم تتابعت المؤسسات الإعلامية تباعًا في ليبيا، وقد كانت الفترة الذهبية لازدهار الصحافة الليبية بين عامي 1908 و1911 م، أيام الحكم العثماني.

وقد استمرت الصحافة الليبية بفعالية حتى أيام الاحتلال الإيطالي، واللافت، أنها استمرت، رغم ضراوة الاحتلال الإيطالي، ناطقة بلغة الضاد.

وفي فترة السيطرة الإنكليزية في ليبيا، بين عامي 1943 و1949 م برزت صحف ليبية مهمة جدا، أشهرها “طرابلس الغرب” و”برقة الجديدة”.

         الإعلام في زمن الملكية:

في عام 1951 م نالت ليبيا استقلالها، وتأسست الملكية الليبية التي لاحظت الإعلام بقوة، وتضمّن الدستور الملكي موادًا تنظم الإعلام الليبي، وتضمن حرّيته واستقلاله، وتحمي التنوّع الثقافي، وتعزّز الحرية الفكرية، وسنعرض بعض هذه المواد بهدف الإضاءة على مضمونها، وعلى أهمية الإعلام تاريخيا في الثقافة الليبية.

ومن المهم أن نضع هذه المواد بشكلٍ سردي متتابع، ثم نحلّلها ونحاول أن نقرأ ما كان يكمن وراءها من ثقافة إعلامية حرة.

         المواد الدستورية المتعلقة بالإعلام زمن الملكية:

تضمن الدستور الملكي موادًا تنظم عمل الإعلام في ليبيا، وهذه المواد هي التالية:

المادة “22”: حرية الفكر مكفولة، ولكلّ شخص الحق في الإعراب عن رأيه وإذاعته بجميع الطرق والوسائل، ولكن لا تجوز إساءة استعمال هذه الحرية فيما يخالف النظام العام أو ينافي الآداب.

المادة “23”: حرية الصحافة والطباعة مكفولتان في حدود القانون.

المادة “24”: لكلّ شخص الحرية في استعمال أيّ لغة في المعاملات الخاصة، أو الأمور الدينية، أو الثقافية، أو الصحافية، أو مطبوعات أخرى، أو في الاجتماعات العامة.

ويجدر أن نذكر هنا أن الدستور الملكي لم يشترط أبدا على الإعلام أي شروط ملزمة تتعلق بتبني سياسات الملكية أو توجهاتها العامة، بل ترك للإعلام كامل الحرية في تحديد سياساته، كما منح الأجانب حق إصدار جريدة أو مجلة أو إذاعة.

كما يجدر بنا أن نذكر أن هذه الفترة الملكية شهدت طفرة للصحف والمجلات، وخصوصا المستقلة منها، فقد صدرت في هذه الحقبة حوالي 15 جريدة يومية وأسبوعية، و13 مجلة شهرية، و11 صحيفة ناطقة باللغتين الإيطالية والانجليزية، وبلغت نسبة الصحف المستقلة حوالي 65 % من المجموع الكلي.

وبالعودة إلى المواد الدستورية المذكورة أعلاه، نلاحظ أنها تضمنت، في العموم، كمًا كبيرًا من الحرّيات الإعلامية، والتي قد لا تتوفر حتى في ظل ما يفترض أنها دولة حديثة.

فالمادة الأولى كفلت حرية الفكر لجميع المواطنين، وبالتساوي، وهذا ما يشكل إطارا عاما للحركة الإعلامية والتعبير عن الأفكار من خلالها، وهو الأساس الذي تنبني عليه ما يسمى “الإعلام الحر المستقل”.

ومع اعتراف هذه المادة بالحرية الفكرية للناس، بما يكفل لهم ممارسة حقوقهم الإعلامية بشكلٍ مستقل، إلا أنها ركّزت على أن تكون هذه الحرية منظبطة بالضوابط الأخلاقية العامة، بما لا يخلّ بالأعراف والأخلاق العامة في المجتمع، وهذا ما نراه في أكثر الدول تحررا وتقدما، إذ أن الحرية المطلقة غير موجودة في الواقع، ولا بدّ أن تتحدّد بحدود الأخلاق العامة، وهذا هو الفيصل بينها وبين الفوضى.

ومع إقرار المادة الـ22 للدستور للحريات العامة المتعلقة بالتفكير والتعبير عن الرأي، تأتي المادة 23 لتخصّص الموضوع أكثر، ولتتناول بشكل مباشر حرية الإعلام والطبع، الوسيلتان الأبرز في التعبير عن الأفكار، فتكون هذه المادة مكمّلة للتي قبلها ومخصصة لها.

أما المادة 24 من الدستور الملكي الليبي، فهي مادة تتناول موضوع التنوع الثقافي والعرقي، وتعترف بهذا الاختلاف وتقنّنه، لتضمن لكلّ مواطن أو مقيم في ليبيا حرية التعبير عن أفكاره باختيار لغته الأم التي قد تناسبه في الإفصاح عنها، وهذه قمة الحرية والاعتراف بالآخر، وإقرار التنوع الثقافي والعرقي داخل ليبيا.

باختصار، فما يمكن قوله فيما خصّ الواقع الإعلامي في زمن الملكية في ليبيا، فإن هذا الإعلام كان متقدّما من الناحيتين العمليّة والفكريّة، ورأينا كيف أن فكرة الحرية الفكرية، والتنوع الثقافي، كانتا من صلب الثقافة الإعلامية والاجتماعية الليبية، وهو ما يوحي بأن الثقافة الليبية عرفت مراحل متقدمة من أجواء الحريات منذ زمن لا يستهان به، وهو ما كان يعتبر وقتها خطوة متقدمة على مستوى الحريات في العالم.

تعليقات فيسبوك
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.