بيع الأدوية على الرصيف في مصر

0

في سوق الجمعة بمنطقة إمبابة الشعبية شمال محافظة الجيزة وسوق الإمام في منطقة التونسي تجد كل شيء، كما يقولون، من الإبرة وحتى الصاروخ وكذلك بيع الأدوية على الرصيف ، حيث صُفّت بشكل عشوائي كميات من الأطعمة واللحوم والأسماك وأيضاً الأدوية.

في السوق تجد أسلاك كهرباء وإلكترونيات مستعملة وغير صالحة للاستخدام أو تجد أثاثاً قديماً وأحياناً أشياء نادرة كتحف أو لوحات فنية، ولكن الجديد هو بيع الأدوية على الرصيف .

عبارة «الدواء فيه سم قاتل» لم تعد مجرد جملة قِيلت في فيلم «حياة أو موت» في ستينيات القرن العشرين، ولكنها واقع متجسد في الشارع المصري اليوم الذي أصبح الدواء فيه يباع على «الأرصفة » في أسواق المستعمل.

بيع الدواء على الرصيف في الشوارع والميادين

البداية كانت صورة نشرتها صفحة مجموعة خاصة بالصيادلة المصريين لسيدة بيع الدواء على الرصيف، سعر الشريط  2 جنيه ومن كل الأنواع.

وفور انتشار الصورة على صفحات السوشيال ميديا أصبحت القضية محور الرأي العام المصري، وتساءل النشطاء أين الرقابة على الدواء؟ ولكن لم يسأل أحد عن السبب الحقيقي لهذه الظاهرة ومن أين يتم جمع هذا الدواء حتى يصل إلى البسطات في الشوارع وأسواق المستعمل؟

في نفس المكان الذي ظهرت فيه السيدة صاحبة بسطة الدواء بسوق إمبابة، كان هناك رجل يبيع أشياء متنوعة لا رابط بينها، امتنع عن الكلام ورفض تصويره، وحين سأل عن السيدة، قال جيرانها على الرصيف، إن شرطة التموين قامت بحملة على السوق فور نشر صورة السيدة بالتوافق مع شرطة المرافق.

اختفت السيدة وتركت جوال الأدوية مع رجل، ولكنه لا يعرضها على الرصيف، بل يبحث عن طلب الزبائن داخل الجوال، وحين سأل عن مصدر هذه الأدوية، يرد بكل بساطة:  «نجمعها من صناديق القمامة».

انهار الجنيه فارتفع الدواء

بيع المستعمل أصبح تجارة رائجة في مصر مع ارتفاع الأسعار خلال الثلاث سنوات الأخيرة، خاصة ارتفاع أسعار الأدوية بعد هبوط الجنيه المصري أمام الدولار بشكل كبير، مما اضطر معه المصريون إلى شراء المستعمل، خاصة الأجهزة المنزلية والأثاث ثم الأدوية.

على أعمدة الكهرباء في الشوارع الرئيسية عُلقت قطع من ورق كرتونية أو خشبية وعليها عبارة «نشتري كل شيء»، ثم رقم هاتف، ما يعني أن هناك رؤوساً مدبّرة لتجارة المستعمل في مصر، ومن بينها الدواء بالطبع.

محمود فؤاد، مدير المركز المصري للحق في الدواء، يشرح لـ «عربي بوست» أن انتشار ظاهرة بيع الأدوية على الرصيف تتداخل فيه عدة أسباب، أهمها وجود دواء منتهي الصلاحية في الصيدليات المصرية تبلغ قيمته حوالي 650 مليون جنيه، وهو بمثابة  «السُّم» المتاح في الصيدليات، ويوجد 770 ألف صيدلية في مصر، لا يمكن متابعتها بشكل يومي، مشيراً إلى أن 20% ممن يديرون تلك الصيدليات هم دخلاء على مهنة الطب والصيدلة.

وأكد فؤاد أن 20 % ممن يديرون هذه الصيدليات لم يتخرجوا فى كليات الصيادلة، وإنما اشتروا أسماء دكاترة ويدفعون لها مقابلاً شهرياً.

شبكات بيع الأدوية على الرصيف متداخلة المصالح

أزمة الدواء منتهي الصلاحية، حسب فؤاد، مستمرة منذ عام 2014، ونقابة الصيادلة تحاول التفاهم مع أصحاب الشركات كي تأخذ هذه الأدوية، ولكنها لا تمتلك الصلاحيات لإجبارها على ذلك، أيضاً لهذه الشركات علاقات نافذة والحكومة تتعامل معها بليونة شديدة.

ويضيف مدير مركز الحق في الدواء طرفاً ثالثاً يساهم في انتشار مثل هذه الأدوية وأحد أسباب بيعها على الرصيف وهو «شركات التوزيع»، وهي شركات خاصة  تنشئها مجموعة أشخاص يبيعون الدواء لما يسمى المخازن، وعددهم يزيد عن 3 آلاف مخزن لا رقيب عليها.

محمد مصطفى الحلوي، صيدلي، يتوافق مع رأي فؤاد ويضيف لـ «عربي بوست» أن هذه الأدوية منتهية الصلاحية واستخدامها وانتشارها بهذا الشكل لأول مرة على الأرصفة ظاهرة خطيرة.

وتتم عملية جمع الأدوية من صناديق القمامة، بعدما تتخلص الأسر المصرية من أدويتها المنتهية الصلاحية أو الفائضة عن حاجتها برميها، فيأتي نابشو القمامة هؤلاء لجمعها أو يحصل عليها مباشرة باعة الأشياء المستعملة الذين يلفون في الأحياء والمناطق لجمع وشراء ما لا يلزم الأسرة.

وبحسب الحلوي، فإن مسألة الدواء تحتاج إلى رقابة مشددة من الحكومة بالإضافة إلى أن «يراقب الإنسان نفسه أولاً».

أما محمد مصطفى فيعتبر أزمة الأدوية منتهية الصلاحية أزمة مستمرة، ويجب التخلص منها وإعدامها وأيضاً يجب على الدولة أن تشدد الرقابة على الأدوية المهربة والمصنعة دون ترخيص.

أدوية التأمين الصحي في الشارع

وهناك مصادر أخرى تأتي منها الأدوية التي تباع على الرصيف، وهي الجمعيات الخيرية، ويشير الصيدلي إسلام كامل إلى أن هذه الجمعيات تقوم بتصنيف الأدوية والاستفادة مما تراه مناسباً وبيع الباقي، ثم يقوم مَن يشتري هذا الدواء ببيعه لمثل هؤلاء الباعة في سوق المستعمل.

ويضيف إسلام أن هناك أيضاً أدوية التأمين الصحي العام، فمريض التأمين الصحي يحصل على كمية كبيرة من الأدوية دون مقابل من الدولة، وغالباً لا يستهلك الكمية المصروفة له، وهي في الصيدليات مرتفعة الثمن مثل الأنسولين وبعض المنشطات والفيتامينات، فيقوم المريض ببيع الفائض لديه وتتنقل الكمية حتى تصل إلى سوق الجمعة.

أدوية التأمين الصحي غالباً ما تكون مختومة، وفي هذه الحالة لا تستطيع أي صيدلية شراءها أو استبدالها من صاحبها، حسب محمد مصطفى الحلوي، ولكن هناك أدوية تأمين صحي خاصة لشركات كبيرة تؤمّن على عامليها، فيقوم هؤلاء بصرف الأدوية، وغالباً هي أدوية غالية الثمن، وهي غير مختومة، فتقوم بعض الصيدليات بشرائها ثم بيعها.

ومباحث التموين لا تقوم بدورها

وعلقت إيناس عبدالحليم، وكيلة لجنة الصحة بالبرلمان، على صور الأدوية التي تُباع على الأرصفة في سوق الجمعة، قائلة إن هذه الأدوية تعكس صورة سلبية عن مستوى الصحة في مصر، مشيرة إلى أن «مسئولية الأدوية المغشوشة التي تباع في الأسواق ليست لوزارة الصحة فقط، ولكن لشرطة المرافق أو المكان الذي تعرض فيه الأدوية».

وحسب مصطفى السيد، رئيس إدارة التفتيش الصيدلي بوزارة الصحة، فإنه تم التواصل مع مباحث التموين لعمل التحريات اللازمة تجاه واقعة بيع أدوية في سوق الجمعة بمنطقة إمبابة، وأضاف: «قانوناً ليس لدينا سُلطة على الباعة الجائلين في الشوارع».

ويعتبر محيي عبيد، نقيب الصيادلة، أن بيع الأدوية على الرصيف نتيجة للتخاذل في سحب الأدوية منتهية الصلاحية من الأسواق، برغم الاتفاق الذي عقدته وزارة الصحة مع شركات التوزيع لتطبيق سياسية (ووش أوت) التي تعني إنهاء سحب الأدوية منتهية الصلاحية من الأسواق.

ولا تقوم الشركات إلا بسحب القليل من الأدوية منتهية الصلاحية؛ لأن الصيادلة يلقونها في القمامة، بسبب تراكمها في الصيدليات لتستقر في النهاية على رصيف إمبابة.

المصدر: عربي بوست

تعليقات فيسبوك
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.